دور المجندات الشابات في التنظیمات الإرهابیة

 

 

 

قامت " جیسیکا تريسكو" في معهد ( أمريكان إنتربرايز) بدراسة حول دور المجندات الشابات في التنظيمات الإرهابية، حيث تعتبر أدوارهن لا تقل خطورة عن الرجال أو الشباب، خاصة وأنهن يقمن بأدوار هامة في تجنيد فتيات أخريات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، علاوة على القيام بعمليات إرهابية. وتضيف أنه خلال الحرب الشيشانية الثانية في عام 2000 كان أكثر من ثلثي الإرهابيين في روسيا من النساء.

ومؤخرًا فإن جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا تستخدم الفتيات اللائي لم يبلغن سن السابعة من العمر في أغلب عملياتها الإرهابية.

وفيما يتعلق بتنظيم "داعش" فإن دور المرأة في البداية كان محصورًا في العمل المنزلي، لكن مع مرور الوقت قام التنظيم بتجنيد نساء تتراوح أعمارهن بين 18 و25 عامًا في وحدة متخصصة بالكامل للإناث تعرف باسم "لواء الخنساء وتفسر الباحثة أسباب انضمام الفتيات والشابات للتنظيمات الإرهابية لأسباب عدة، من بينها: التعرض للعنف الجنسي، أو العنف في المنزل، بما يجعلهن عرضة للتجنيد الإرهابي. علاوة على إمكانية وجود ضغوط أسرية، أو حتى من خلال الاقتناع بالخطاب الذي تردده التنظيمات الإرهابية. هناك إحصائية تقول إن نصف الملتحقات بتنظيم الدولة مراهقات، في نظرك لماذا؟ وما هي الأسباب التي جعلتهن يلتحقن بهذا التنظيم؟

التحاق المراهقات بهذا التنظيم (حسب دراسة مجلة نيويورك تايمز حوالي 500 فتاة التحقن بالتنظيم أغلبهن مراهقات دون 13 سنة) لا يختلف مبدئيا عن كونه مظهرا من مظاهر انحراف المجتمع، كما سبق الذكر بالنسبة للشباب الذكور، من جهة، ومن أزمة يعيشها الإنسان المضطهد من جهة أخرى، وبالنسبة لنا لا نرى اختلافا كبيرا بين ارتماء الفتاة في حضن الدعارة والفساد والانحلال والإدمان، وبين توجهها إلى الانضمام لهذا التنظيم، لأن كلا الأمرين يمكن تفسيرهما بهروب الفتاة من واقع مؤلم وصعب ليس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل حتى على المستوى النفسي، وناتج أيضا عن أزمة الذات والهوية التي بدأت الفتاة تعيشها في خضم تطور العالم الجديد، والدليل هنا، أن الوضعية الأولى هي نتاج فشل الفتاة في تحقيق ذاتها والاندماج مع الواقع، ثم نزع الاعتراف من المجتمع مهما كانت ظروفها ووضعيتها النفسية والاجتماعية ومستوى تفكيرها...

وبالتالي تعزيز القلق الاضطهادي الذي يحمله الإنسان منذ طفولته حسب تعبير المحللة النفسانية "ميلاني كلاين"، وأن مشاعر الإحباط الناتجة عن تراكم الفشل والخيبة، وتبخيس الذات هي عوامل ودوافع سيكولوجية لا شعورية تتراكم عند الفتاة التي تعيش مضطهدة في أسرتها ومحيطها وتعجز عن توفير الأمن النفسي لها، مما يدفعها إلى البحث عن بديل، يحتويها ويوفر لها حضنا وهوية حتى وإن قبلت الفتاة أن يطلق عليها وصفا يجسد انتماءها مثل "العاهرة"، و"الفاسقة"، أما من الجهة الأخرى، وحسب الوضعية الثانية، فإن لقب "عروس الجهاد" الذي تم ابتداعه أيضا من طرف مهندسي التنظيم، لا يختلف عن الوصف السابق، فهو يلبي للفتاة رغبة دفينة في وجود حضن وتموقع داخل هذا العالم، وبالتالي فإنها تحجز لنفسها مساحة هوية جديدة تحت مسمى "الفتاة الداعشية" أو "عروس الجهاديين"، ولا تبالي هنا الفتاة التي تفكر في الانتماء بخطورة ما ينتظرها داخل هذا العالم الموحش، لأنها فرت من جحيم مجتمعي آخر كان أكثر وقعا على حياتها النفسية،

ونشير هنا إلى أن هذا الوضع الذي تدخله الفتاة الملتحقة بتنظيم "داعش" يتطور حسب المرجعية التفكيرية- التكفيرية للتنظيم، والذي يعمل على غسل دماغ الفتاة وإعادة برمجتها بشكل يخدم التنظيم وأهدافه على المستوى القاعدي، إذن هنا يكمن مربط الفرس، إذ إن المتربصين والمترصدين بالفتيات في البلدان الغربية يختلف خطابهم الموجه لهن على خلاف الخطاب الموجه للفتيات العربيات والمسلمات، لأن طريقة الإغراء أيضا تختلف حسب طبيعة الحاجات التي تفتقدها كل فتاة من جهة، فالفتاة الأوروبية سواء في الجنسية أو الأصل قد تشبعت بقيم الحداثة والانفتاح وعاشت نوعا من الرفاهية لكنها بدأت تدخل مرحلة الفراغ وهو محصلة طبيعية لحياة الترف التي تعيشها، ونمط الحياة الصعب في البلدان الأوروبية، لهذا فإن طبيعة الخطاب الموجه لهذه الفئة يختلف تماما، ويقوم على التغرير بهن ووعدهن بتوفير الحماية والمساعدة على التوبة والحصول على عريس مجاهد بمواصفات معينة، يعوض الفتاة عن حلمها الضائع ويصور لها فارس الأحلام الذي سينقذها من الضياع والفراغ ومن الغدر والخيانة ..... علما أن الذين يقومون بدور الاستقطاب لديهم اطلاع كبير باستراتيجيات الإقناع والمحاورة والتضليل.

أما الفتاة العربية والمسلمة، فإن طريقة استقطابها أكثر سهولة من غيرها، بالرجوع إلى الأوضاع النفسية والاجتماعية التي تعيشها، وتراكم مشاعر القهر والإحباط والظلم الذي تعيشه، ونشير هنا إلى أن المستقطبين لا يحتاجون إلى كثير من العمل لإقناع المراهقات، بل يكفي استدراجهن خصوصا اللواتي سبق أن وقعن ضحايا الاغتصاب آو المشاكل الأسرية من طلاق أو الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من فقر وعوز ...... فيعمل المستقطبون هنا على فرش الطريق بالورود وزرع الأحلام الوردية ونشر الأوهام، على أمل أن الفتاة المراهقة يمكنها أن تكفر عن خطاياها وتكون في مأمن بين الرجال "الحقيقيين". إننا نتحدث هنا عن فتاة كانت على مشارف الانتحار أو فشلت في تحقيق ذاتها في مجتمع ضبابي (تعبير أستاذ علم النفس المرضي محمد بنحدو كلية الآداب فاس)، أو بالأحرى إنها ضحية ما يسمى: سيكولوجية الإنسان المقهور حسب ما قدمه الدكتور مصطفى حجازي في كتابه ودراسته السيكولوجية العميقة.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات