الإسلام فوبیا في أوروبا

 

 

 

 

الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام مصطلح انتشر في الآونة الأخيرة على نحو واسع في فرنسا، وكان قد حسم أمره منذ سنة 2004 عندما استخدمه رسميا مسؤولون للإشارة إلى تصاعد الانتهاكات بحق المسلمين.

وأول من روج له في صورة منهجية، هو الباحث فانسون جيسير عبر كتاب له بعنوان الإسلاموفوبيا، وإلا لم يكن ليقبل بسهولة في أوساط النخبة الفرنسية، وخاصة اليمينية منها. الإسلاموفوبيا هي ليست الخوف من الإسلام بل هي الكراهية للإسلام والمسلمين. حظي المصطلح باهتمام واسع منذ ذلك الحين، وصادق عليه مؤتمر الحركة ضد العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوب (غير حكومية)، التي اعتبرته الأنسب للتعبير عن المضايقات التي واجهتها المحجبات والجالية المهاجرة، وخاصة في جزيرة كورسيكا (جنوب)، وغيرهم من أبناء الأقلية الإسلامية.

وقد وصف جيسير هذا الوضع بقوله الهجمات على الرموز الاسلامية في جزيرة كورسيكا، والتي وصلت حد اطلاق الرصاص الحي ضد امام مسجد، تجعلنا نتأكد ان الاسلاموفوبيا حقيقة وليس مصطلحا يروجه الاسلاميون كما يقول البعض..

صارت وسائل الاعلام الفرنسية تستخدم مصطلح الإسلاموفوبيا للتعبير عن وجود حالة رعب وهاجس أمني من الإسلام والمسلمين، الذين يشكلون الديانة الرسمية الثانية، كما أخذ يبرز في تقارير وتحقيقات حول الأديان في أوروبا. ورسميا استخدم لأول مرة، على سبيل التنديد، من قبل رئيس الحكومة الفرنسية الاسبق جان بيار رافاران في أحد لقاءاته سنة 2004 مع عميد مسجد باريس دليل أبو بكر.

وفي تعليق للخبير الفرنسي في الإسلاميات إريك جوفرا والأستاذ بجامعة مارك بلوخ الفرنسية إن السبيل الأكثر جدوى أمام المشاكل الإسلاموفوبية هو مواجهتها لا الهروب منها. و قال هناك أشخاص ومنظمات تقوم بهذا الدور، هناك العديد من المسلمين الأوروبيين، وعلى الرغم من كونهم غير منظمين بما فيه الكفاية، فإنهم أصبحوا يدافعون عن أنفسهم وولدت العديد من المنظمات التي تفضح الإسلاموفوبيا، معتبرا ان الأمر لا يتعلق بالتقليل من الإسلاموفوبيا فهي مشكلة حقيقية وموجودة.

الكل صار يعترف بوجود الظاهرة ويدعو للوقوف في وجهها، ولكن يجري الخلاف من حول اسبابها وجذورها، وهل هي في تصاعد ونمو، ام في تراجع؟ ف

ي جميع الأحوال هي حديث الأوساط الاعلامية والسياسية الفرنسية في هذه الأيام، على خلفية صدور التقرير السنوي الخامس عن هيئة ائتلاف ضد الاسلاموفوبيا، الذي يتحدث عن حصول ثمانين عملا مناهضا للاسلام في فرنسا، استهدف 59 منها اشخاصا، بينما طالت بقية الاعمال مساجد ومؤسسات دينية ومقابر، حيث تم في ليلة 7 و8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي تشويه 800 واجهة قبر في المقبرة العسكرية لقدامى المحاربين المسلمين نوتردام دي لوريت في شمال فرنسا، ومن المعروف ان هؤلاء يعود لهم الفضل في الدفاع عن منطقة شمال فرنسا في الحرب العالمية الأولى.

وتعتقد الجهات اليمينية المتطرفة في فرنسا وفي أوروبا بشكل عام أن المساجد تشكل الرمز الأكثر وضوحًا لما تسميه أسلمة أوروبا، ولذلك فهي تسعى إلى تركيز جهودها في وقف مشاريع بناء المساجد بشكل عام؛ حيث يقف اليمين المتطرف على سبيل المثال معارضًا إلى حد اليوم، في معركة قضائية، ضد مشروع بناء المسجد الكبير بمدينة مرسيليا. ووصل الأمر ببعض المواقع الالكترونية التابعة لليمين المتطرف بفرنسا، إلى رسم خريطة لأماكن تركز المساجد والكثافة المسلمة بفرنسا بشكل عام، على نحو يشبه الخرائط التي رسمت لمواقع تواجد اليهود قبيل نقلهم إلى معتقلات النازية في أربعينات القرن الماضي.

يقول التقرير إن معظم أعمال الإسلاموفوبيا سجلت في الإدارات التابعة للدولة حيث أحصى التقرير 36 عملا منها، أي ما يعادل 64% من مجموع أعمال الإسلاموفوبيا، تتضمن تمييزا في الإدارات ضد الأشخاص على أساس ممارساتهم وانتمائهم للإسلام. ويشير التقرير الذي يحدد هذه الإدارات (بلديات وجامعات وشرطة ووزارات) إلى أن هناك أشخاصا لا يحترمون مبادئ المساواة في ما يتعلق بالخدمات العامة أو مبدأ عدم التمييز، وهؤلاء الأشخاص لا يترددون في إظهار عداوتهم وأحكامهم المسبقة ضد المسلمين.

ويضرب التقرير مثلا لهذه الإسلاموفوبيا الإدارية بالطلب، الذي تقدم به أحد أفراد الشرطة في مدينة ليون بوسط فرنسا من إدارة عامة أخرى، لتزويده بقائمة الأشخاص من غير المسيحيين والذين يطلبون تكييفهم مع ساعات عمل معينة بدافع ديني ومن أجل ممارسة شعائر. ويحصي التقرير نسبة 35 في المائة من أعمال الإسلاموفوبيا مما تجرى في الحياة الاجتماعية بعيدا عن الاطر الرسمية،. وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب الكثير من المؤسسات والشركات الفرنسية، اقترحت إحدى الشركات على مواطن فرنسي مسلم تسريحه مقابل تعويض مالي، ولما سأل العامل عن السبب، لم يكن دافع الأزمة الاقتصادية في مقدمة حجج الإدارة بل كان أنه يحمل لحية في الشركة، وهذا لا يتماشى مع صورة الشركة، كما يقول أحد المسؤولين. بين القانون والثقافة بالتزامن مع نشر التقرير في نسخته الخامسة جددت الجمعيات والمنظمات الإسلامية مطالبها، بخصوص سن قانون يحمي المسلمين، ويحارب العداء للإسلام أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا، يكون على نفس نهج القوانين التي تحرم العداء للسامية فعلى عكس ما تتوقع بعض التقديرات الاكاديمية، فإن الظاهرة آخذة في التصاعد، وهو ما برهن عليه تقرير الائتلاف ضد الإسلاموفوبيا، الذي أكد على ان نسبة الأعمال المناهضة للإسلام في فرنسا ارتفعت في سنة 2008 بمعدل 20 في المائة مقارنة بعام ،2007 وأوضح التقرير ان نسبة كبيرة( 67 في المائة) من الاعتداءات سجلت في الضواحي الباريسية المكتظة بالمسلمين. وأرجع رئيس هيئة الائتلاف ضد الإسلاموفوبيا سامي دباح هذا الارتفاع إلى تبني اليمين المتطرف في فرنسا نهجا مخالفا لما سار عليه في السنوات الأخيرة.

فبعد أن استهدفوا الجالية اليهودية لسنوات طويلة، وأمام تشديد العقوبات وسن قوانين تعاقب المعادين للسامية، بات المتطرفون يستهدفون المسلمين لضعفهم ول عدم وجود قوانين تحميهم من ذلك.

ولذا تدعو رابطة مسلمي فرنسا إلى المصادقة على قانون يحارب الظاهرة، وهي تعمل في هذا الاتجاه باستشارة حقوقيين وخبراء. ومن جهته، يعتبر رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موسوي ان فكرة سن قانون ضد معاداة الإسلام تحمل في طياتها ايجابيات وسلبيات. وفي رأيه ان الحكومة الفرنسية، مع تشريع قانون في هذا المجال، ستجد نفسها مضطرة للبحث في هذه الاعتداءات، للحد منها ومعاقبة من يقف وراءها، لكن وفي الوقت ذاته، قد يعطي قانون من هذا القبيل انطباعا مفاده ان المجتمع الفرنسي منقسم إلى جاليات، وان الإسلام يعامل بشكل مميز عن باقي الديانات ورغم ان التقرير يؤكد بأن التظاهرة تتصاعد بسرعة، فإن بعض الاوساط الاسلامية المراقبة لها ترى انها اضخم بكثير مما جاء في التقرير، ولذا علقت رابطة مسلمي فرنسا على الأرقام التي حملها التقرير بقولها، إنها بعيدة عن الواقع ولا تعكس حقيقة ظاهرة الإسلاموفوبيا، التي تفشت بشكل سريع في المجتمع الفرنسي.

ونقلت بعض وسائل الاعلام الفرنسية عن رئيس الرابطة محمد شعمبي انه بالاستناد إلى الهيئة العليا لمكافحة التمييز ودعم المساواة، فإن حجم الشكاوى المتعلقة ب الإسلاموفوبيا التي تلقتها قفز من 1500 شكوى سنة 2002 إلى 9000 سنة 2008. ويرى ان الإسلاموفوبيا أضحت ظاهرة معترف بحقيقتها، وهي في تطور مستمر. ويجدر هنا التوقف امام الكتاب الذي اصدره المفكر الفرنسي من اصل بلغاري الناقد تزفتيان تودوروف تحت عنوان الخوف من البرابرة، وهو يتحدث عن انتشار عدوى الأسلاموفوبيا، بوصفها بابا للارتداد عن القيم الغربية نفسها، باسم الدفاع عنها. فالخوف يصبح خطرا بالنسبة للذين يشعرون به.

بل إنه باسم الوقاية من القيم والسلوكات غير الإنسانية لدى الآخر، يصبح التبرير الرئيسي للسلوكات نفسها. ويقول تودوروف إن الخوف من البرابرة من شأنه أن يحولنا إلى برابرة، ويلوذ الكاتب بالتاريخ بشكل منهجي مطرد، ليبرز أن العلاج قد يكون أخطر من المرض ذاته. فقد قاد الاستسلام للخوف في الغرب إلى الدخول في مغامرات عسكرية أنتجت فشلا مزدوجا جعلت الخصم أكثر قوة، وجعلتنا أكثر ضعفا. ويرى الكاتب ان الخطر الإرهابي في الحالة الأمريكية لم يكن فعل دول بل فعل أفراد، وبالتالي فإن ضرب دول مسلمة عسكريا (العراق وأفغانستان.. ) لم يضعف الإرهابيين وإنما ألقى بهم في حضن الشعوب. ثم إن هذه الحملات أنعشت مشاعر الحقد والرغبة في الثأر لدى الجماهير الواسعة، فضلا عن أن المبالغة في الرد على الإرهاب أسقطت الغرب في التناقض مع قيمه، وهو يتبنى أو يغض الطرف عن الاجتياح العسكري المنافي للقانون الدولي وممارسة التعذيب وقصف قرى المدنيين من وحي المفهوم المكيافيلي الغاية تبرر الوسيلة. تواريخ سلبية من بين التواريخ السلبية بالنسبة للأقلية المسلمة في فرنسا إقرار قانون حظر الرموز الدينية سنة ،2004 ومن بينها الحجاب في المدارس، ومن ثم تكثيف عمليات طرد أئمة من الأراضي الفرنسية، بجانب تزايد الانتهاكات والإساءات ضد المسلمين، أو ما عرف بانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا.

وشكل إقرار قانون منع الرموز الدينية أبرز الأحداث المؤثرة في الأقلية المسلمة في فرنسا. وقد لعب حزب التجمع من أجل الحركة الشعبية اليميني الحاكم والحزب الاشتراكي (أكبر الأحزاب المعارضة) دورا مهما في تمرير القانون، رغم أنه من النادر أن يتفق الحزبان على قانون واحد. وبمقتضى القانون جرى حظر ارتداء الحجاب والصليب كبير الحجم والقبعة اليهودية وعمامة طائفة السيخ بالمحيط المدرسي، وصار يتم طرد غير الملتزمين بهذه التعليمات من المدارس.

واتجهت فرنسا إلى إقرار ذلك القانون، بعدما طالبت لجنة مكلفة بمراقبة العلمانية بفرنسا في ديسمبر ،2003 بإصدار تشريع يحظر الرموز الدينية خوفا من تأثير الدين في النظام العلماني في فرنسا، على حد تقدير اللجنة. وكانت الصدمة هي انه مع بدء تطبيق القانون في بداية العام الدراسي 2004-،2005 طردت نحو 40 طالبة مسلمة من مدارس حكومية فرنسية، لأنهن رفضن خلع حجابهن لدى دخولهن المدرسة، وهو ما لقي أصداء كبيرة في وسائل الإعلام الفرنسية، وعكس صورة سلبية عن المسلمين الذين جرى تصويرهم وكأنهم ينقلون قيمهم وانماط معيشتهم، ويرفضون الاندماج مع الغرب، وتم استغلال الامر من جانب السياسيين ووسائل الاعلام.

مظاهرة باريس وفرص التدارك ضاقت شريحة كبرى من الفرنسيين من مختلف الاطياف، بهذا الشحن الإعلامي والسياسي العدائي، ضد المسلمين. فبدأت الدعوات تتوالى لخروج مسيرة مناهضة للكراهية والإسلاموفوبيا.

شارك في الدعوة فنانون، وحقوقيون وكتاب، وشخصيات عامة في نوفمبر2019 خرجت مسيرة حاشدة شارك فيها أكثر من 15 إلى 20 ألفا من المواطنين والشخصيات الحقوقية والسياسية، والجمعيات، والنقابات المهنية٠ أدانوا انتهاكات حقوق مسلمي فرنسا ونشر الكراهية تجاههم، كان من بين المحتجين السيدة "إستال بنباسا"، السيناتور والحقوقية، والسيدة ميشال سبوني وهما شخصيتان فرنسيتان من أصول يهودية حذرتا من هذه الاجواء العدائية ضد المسلمين٠ نظريات خطيرة عرفها التاريخ و يعتبرا لحقوقيون أن التصدي للإسلاموفوبيا أمر عاجل ففي إحصائية رسمية صرح 42 % من الفرنسيين المسلمين انهم تعرضوا للإقصاء مرة واحدة على الأقل في حياتهم بسبب دينهم، وتصل هذه النسبة إلى 60 % بنسبة للفتيات والنساء المحجبات٠ وأن مئات الشكوى تصل إلى الجمعيات المناهضة للعنصرية وخاصة جمعية مناهضة الإسلاموفوبيا، وتصل إلى المحاكم٠

أحيانا تؤكد تضاعفا خطيرا للإسلاموفوبيا من جهتها، تعتبر زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني القومي مارين لوبن أن "كل الذين سيتوجهون إلى هذه التظاهرة سيكونون شركاء للإسلاميين، أي الذين يدفعون في بلدنا بأيديولوجيا استبدادية تهدف إلى محاربة قوانين الجمهورية الفرنسية". ورأى ماجد مسعودين العضو اليساري في المجلس البلدي لضاحية باريس سان دوني وأحد الذين دعوا إلى المسيرة، أنّ "هناك إرادة بتخريب التظاهرة بالتأكيد".

وأضاف مسعودين في تصريحات لوكالة فرانس برس، "نواجه تحالفا تثير طبيعته الدهشة (وهو) بين الحزب الاشتراكي والتجمع الوطني وحتى الحكومة، الذين وقفوا جميعا ضد المسيرة المناهضة للعنصرية". بين أواسط السبعينيات ونهاية الثمانينيات: طيلة هذه المرحلة تم النظر إلى الإسلام في تورطه بالأزمة النفطية، التي تم اعتبارها أصل الأزمة، وكذلك إلى الثورة الإيرانية عام 1978/1979 إذ تم تحليلها باعتبارها عودة الإسلام.

الذي يهدد الغرب: أضيفت صور هذه الثورة وصور العالم الإسلامي المسؤول عن الأزمة، إلى صور الهجرة التي أحيلت إلى المكون المسلم الذي اعتبر «متعارضاً» مع المجتمع الفرنسي. 2- المرحلة الثانية وتمتد من الثمانينيات إلى 2001: بسبب الإجراءات التي اتخذتها حكومات اليساربتحسين شروط استقبال وإقامة الأجانب، ودمج السكان من أصول أجنبية بتنا نشهد تطور حركة كره الأجانب، وقد حمل لواءها اليمين المتطرف والجبهة الوطنية التي حققت عام 1986 أول انتصاراتها الانتخابية. تمثل ذلك بكسب (35) مقعداً في الانتخابات التشريعية. وطيلة هذه الفترة أخذ رهاب الإسلام بالنمو. عام 1987 نشرت الجبهة الوطنية أول ملصقاتها المعادية للإسلام، وكان ذلك بمبادرة أحد قادتها: جان – بيار ستيربوا (Jean – Pierre Stirbois). ومنذ عام 1983 حذر الصحافي الكبير جون دانيال (Jean Daniel) الحكومة الاشتراكية من «تغذية هذا العداء للإسلام، الذي لا يميز والمهين الذي بتنا نشهد ازدهاره -ويا للأسف!- في أوساط الشرائح الاجتماعية الشعبية في فرنسا وفي أوروبا. منذ الثمانينيات، أسهمت أطروحات برنارد لويس التي تعهدت فكرة الاستثناء الإسلامي العصي على الحداثة والمقاوم للفصل بين السياسي والديني (والمقاوم بالتالي للعلمنة والأفكار الدنيوية) للمساواة والحرية وحقوق الإنسان، لقبول الغير والتعايش المسالم والدائم مع عقائد أو فلسفات أخرى، وللديمقراطية …إلخ. هذه جميعها أسهمت بقوة في نمو الإسلاموفوبيا.

ثم جاءت أطروحة صدام الحضارات التي أخذ بها صموئيل هنتنغتون بعد برنارد لويس الذي يدعي أبوتها لتؤكد هذه الرؤية؛ إذ اعتبرت أن الحضارات التي تتحدد بإيلاء الأولوية للديانات التي تكونها، هي حضارات محكومة بالتواجه، وذلك بسبب الخلافات الأساسية التي تفرقها في العلاقة مع المسائل الأساسية المتعلقة بالوضع الإنساني، ولا سيما: «… العلاقات بين الله والإنسان، الفرد والمجموعة، المواطن والدولة، الأهل والأبناء، الزوج والمرأة»، ولا سيما –أيضاً- بالنسبة «للأهمية التي تولى للحقوق والمسؤولية، والحرية والسلطة، والشرعية والتراتبية.

قابل هذه النظرة –أيضاً- بتصرفات بعض المسلمين، لا سيما تصرفات الشباب الذين يعيشون في فرنسا وفي أوروبا، والذين يتماهون مع هذا التمثل للإسلام، إن بالصور التي تغرق وسائل الإعلام، الآتية من عديد من البلدان الإسلامية ومن «أراضي المعركة» لمجموعات تتصارع على أرض العنف وباسم الإسلام: القاعدة ومختلف تشعباتها من باكستان إلى شمال أفريقيا، والدولة الإسلامية في العراق والشام (ISIS) أو «داعش»، أو أخيراً، في ليبيا، وبوكو حرام في أفريقيا جنوب الصحراء، وشباب الصومال، ومختلف المجموعات المسلحة التي تقوم بحرب لا هوادة فيها في سوريا وليبيا، وفي كل مكان نعاين فيه ضعف، بل اضمحلال الدولة – الأمة، ناهيك عن الحديث عما قامت به طالبان في أفغانستان، والإخوان المسلمون في السودان، والمجموعات الإسلامية في الجزائر ومصر، وفي كل مكان ما زال وجودهم كاف بقوة لينتقل إلى الفعل.

وبما يتجاوز الكليشيهات والمختصرات التي كان الإسلام عرضة لها، إن من جانب من يقومون بالتشنيع عليه، أو بفعل تصرفات عديد من معتنقيه، فإن الإسلاموفوبيا تتغذى من خوف على هوية فرنسا وأوروبا والغرب: والهوية هذه أهي أكثر فأكثر ترابطاً بالمسيحية أم بالثقافة اليهودية – المسيحية»؟ إنها هوية رُبطت بنظرة تماهي المسيحية (أو الثقافة اليهودية – المسيحية) مع «الغرب» المتطور، الحديث، الديمقراطي، كما ربط الإسلام بالجنوب المتخلف، القديم المعادي للحرية والديمقراطية وأنوار العقل… إلخ! والحال أن حضور الإسلام في قلب هذا «الغرب» الحديث، من جهة، وكون مركز ثقل المسيحية قد تحول نحو الجنوب (إلى أميركا اللاتينية وإلى أفريقيا –أيضاً- وإلى آسيا) إلى حد أن البابا لم يعد غربياً أو أوروبياً،

من جهة أخرى، فإن ذلك يوحي بانقلاب النظرة. وهذا ما يشكل أحد الأسباب التي ما زال بسببها يعامل الإسلام كديانة غريبة، ينظر إليها كديانة تتناقض والحضارة الأوروبية أو الغربية، هذا في وقت أصبح فيه الإسلام في فرنسا -كما في أوروبا- الديانة الثانية من حيث عدد معتنقيه الذين اختاروا في أغلبيتهم جنسية البلد الذي يعيشون فيه، اجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، وقد صاروا أكثر اندماجاً في هذه البلدان من البلدان التي تحدر أهلهم وأجدادهم منها.

بدوره لاحظ المرصد الوطني للإسلاموفوبيا في تقريره لعام 2012 أن الأعمال المعادية للمسلمين قد عرفت تقدماً قوياً في 2011 (بزيادة «34%») وأن عام 2012 بدا مقلقاً منذ بداياته؛ إذ شهدت الأعمال زيادة تقدر بـ(42%) في الأشهر العشرة الأولى منه، إذ قفزت الأعمال العدائية من (123) في الأشهر العشرة الأولى من 2011 إلى (175) عملاً في الفترة نفسها من 2012. أما العمل الأكثر إثارة فكان احتلال مسجد بواتييه (Poiteirs) في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 من قبل (74) شخصاً يعلنون انتماءهم إلى مجموعة جيل يدعي الحفاظ على الهوية (…) وقد قاموا على مدى ساعات عدة بتأكيد عبارات عسكرية ضد الإسلام والمسلمين. عام 2014 شهدت فرنسا (764) عملاً يتسم بصفة رهاب الإسلام، أي بزيادة (10.6%) مقارنة بعام 2013. وإلى جانب هذه الأفعال، لا بد أن نضيف –أيضاً- الخطابات الأيديولوجية المعادية في الفضاء العام.

شهد عام 2015 زيادة جديدة في الأعمال المتسمة بصفة رهاب الإسلام، ولذلك علاقته بأحداث شارلي إيبدو، وأحداث باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني). الصراع ضد الإسلاموفوبيا: شهدت فرنسا نمو عديد من أشكال الصراع ضد الإسلاموفوبيا، وقد تولى ذلك جمعيات الشباب المسلمين (والمسلمات) مثل: اتحاد الشباب المسلم، التجمع ضد العنصرية والإسلاموفوبيا، السكان الأصليين للجمهورية (les Indigènes de La République)، والمثقفون والمثقفات بالثقافة الإسلامية. هذا إلى جانب التنظيمات التي تتحرك ضد كل أشكال كراهية الأجانب باسم الأفكار الإنسانية والكونية وحقوق الإنسان هذا إلى جانب رجال علم يرفضون تشويهات التاريخ وانحرافات الإثنية المركزية، والثقافوية والماهوية التي تصب في خدمة أيديولوجيات الكراهية الخاتمة ما زالت العوامل التي شجعت نمو الإسلاموفوبيا في فرنسا أو في أوروبا أو في بلدان أخرى من قارات أخری تزداد حدة يوماً بعد يوم. إن الآثار الاجتماعية، ومنها خسارة الوظائف، وتراجع الخدمات العامة (من صحة، وتعليم، ومسكن واستعمال وسائل النقل وأوقات الفراغ… إلخ) والحقوق التي من أجلها كانت هذه الخدمات، كل ذلك بات يترجم بعدم ثبات متنامٍ لدى شرائح من السكان باتت تكبر أكثر فأكثر.

في فرنسا كما في أوروبا وفي أميركا الشمالية، بل في كل البلدان، حيث المسلمون يشاركون في الأحداث نجد أن للإسلاموفوبيا أياماً تنتظرها لتنمو. إن هذه كلها إشارات ذات مغزى إلى ما سيحصل في الغد، وهو تحدٍ لأصحاب النزعات الإنسانية الذين يعز عليهم العمل على جعل الأحقاد تتراجع، وعلى تشجيع أشكال التكافل وحقوق كل البشر، بغض النظر عن الخلافات في الجنس والثقافات والأديان والآراء والألوان.. وعلى البلدان العربية، وعلى عوالم الإسلام، ، يقع الدور المهم إذا ما أرادوا الإسهام في جعل هذا الشعور يتراجع. وعليهم التحرك ضد السياسات المناهضة للديمقراطية، التي احترام الحريات والحقوق الإنسانية من قبل السلطات القائمة تعارض وأن تقف بقوة ضد التعصب وأشكال التمييز والاضطهادات التي تتعرض لها الأقليات الدينية والسكان الذين يعتبرون «هراطقة»، ورفض الجرائم التي تقترف باسم الأديان من خلال تعابير الإسلام السياسي الراديكالية، والكف عن استعمال المسلمين الذي يعيشون في فرنسا أو أوروبا أو في أي مكان كأدوات، والسعي من أجل فصلهم عن السكان الذين يتشاركون معهم القدر نفسه.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات