الإرهاب الإلكتروني؛ مفهومه ووسائل مكافحته

الزيارات: 2437 times

 

يعد الإرهاب الإلكترونى من أخطر أنواع الإرهاب في العصر الحاضر ، نظرًا لاتساع نطاق استخدام التكنولوجيا الحديثة في العالم ، لذا من الأهمية بمكان مدارسة أسبابه ، وطرق مكافحته . ومصطلح “الإرهاب الإلكتروني” الذي ظَهر وشَاع استخدامه عقب الطفرة الكبيرة التي حقَّقتها تكنولوجيَا المعلومات واستخدامات الحواسب الآلية والإنترنت تحديداً في إدارة معظم الأنشطة الحياتية، وهو الأمر الذي دعا 30 دولة إلى التوقيع على “الاتفاقية الدولية الأولى لمكافحة الإجرام عبر الإنترنت”، في بودابست، عام 2001 م ، والذي يُعد وبحق من أخطر أنواع الجرائم التي ترتكب عبر شبكة الإنترنت ، ويتضح هذا جليًّا من خلال النظر إلى فداحة الخسائر التي يمكن أن تسببها عملية ناجحة واحدة تندرج تحت مفهومه.

وقد جرَّم علماءُ المسلمين هذا الإرهاب الإلكترونى بل جميع أنواع الإرهاب بأشكاله المختلفة ، ورفضُوا لصق التُّهمة بالإسلام ووسم المسلمين بالإرهابيين .

وكان حقًّا علينا وحتمًا مقضيًّا أن تحشدَ الأمَّة كلّ إمكاناتهَا اللازمَة لمحاربةِ هذه الظَّاهرة ،

وكأنى بسائل يسأل ما المقصود بالإرهاب الإلكترونى ؟ فأقول : نستطيع أن نعرف الإرهاب الإلكترونى بأنه : العدوان أو التخويف أو التهديد ماديا أو معنويا باستخدام الوسائل الإلكترونية الصادر من الدول أو الجماعات أو الأفراد على الإنسان دينه أو نفسه أو عرضه ، أو عقله ، أو ماله بغير حق بشتى صنوفه وصور الإفساد في الأرض .

وبالتالي فلكي ننعت شخصا ما بأنه إرهابياً على الإنترنت، وليس فقط مخترقاً، فلا بد وأن تؤدي الهجمات التي يشنها إلى عنف ضد الأشخاص أو الممتلكات، أو على الأقل تحدث أذى كافياً من أجل نشر الخوف والرعب”.

فالإرهاب الإلكتروني يعتمد على استخدام الإمكانيات العلمية والتقنية, واستغلال وسائل الاتصال والشبكات المعلوماتية, من أجل تخويف وترويع الآخرين, وإلحاق الضرر بهم, أو تهديدهم.

مثل ما حصل في العام 2000م ، حينما أدى انتشار فيروس الحاسوب “I love you” إلى إتلاف معلومات قدرت قيمتها بنحو 10 مليارات دولار أمريكي، وفي العام 2003م ، أشاع فيروس “بلاستر” الدمار في نصف مليون جهاز من أجهزة الحاسوب. وقدّر “مجلس أوروبا في الاتفاقية الدولية لمكافحة الإجرام عبر الإنترنت” كلفة إصلاح الأضرار التي تسببها فيروسات المعلوماتية بنحو 12 مليار دولار أمريكي سنوياً.

لقد أدى ظهور الحاسبات الآلية إلى تغيير شكل الحياة في العالم، وأصبح الاعتماد على وسائل تقنية المعلومات الحديثة يزداد يومًا بعد يوم، سواء في المؤسسات المالية، أو المرافق العامة، أو المجال التعليمي، أو الأمني أو غير ذلك، بيد أنه وإن كان للوسائل الإلكترونية الحديثة ما يصعب حصره من فوائد، فإن الوجه الآخر والمتمثل في الاستخدامات السيئة والضارة لهذه التقنيات الحديثة ومنها الإرهاب الإلكتروني أصبح خطرًا يهدد العالم بأسره، إن خطر الإرهاب الإلكتروني يكمن في سهولة استخدام هذا السلاح مع شدة أثره وضرره، فيقوم مستخدمه بعمله الإرهابي وهو في منزله، أو مكتبه، أو في مقهى، أو حتى من غرفته في أحد الفنادق.

حقًّا لقد أصبح الإرهاب الإلكترونى هاجسًا يخيفُ العالم الذى يتعرض لهجمات الإرهابيين عبر التكنولوجيَا الحديثة ، وبثّ أفكارهم المسمومة ، ومما يزيد الأمر صعوبة أنَّ التقدم التكنولوجى لا يتوقف لحظة ، لذا يصعب على الأفراد مواجهة هذه العمليات الإرهابية التى تتَّخذ من التّقنية أداة لتنفيذ مخططَاتها .

والإرهاب والإنترنت مرتبطان بطريقتين : الأولي ممارسة الأعمال التخريبية لشبكات الحاسوب والإنترنت . والثانية أن الإنترنت أصبحت منبرا للجماعات والأفراد لنشر رسائل الكراهية والعنف وللاتصال ببعضهم البعض وبمؤيديهم والمتعاطفين معهم .

وهناك وسائل كثيرة أدت لظهور الإرهاب في العصر الحديث منها أسباب فردية ، وأخرى اجتماعية ، ولعل أهم الأسباب الخاصة للإرهاب الإلكتروني والتى أدت إلى انتشاره ما يلى :

أولاً: ضعف بنية الشبكات المعلوماتية وعدم خصوصيتها وقابليتها للاختراق بسهولة ؛لأنّ شبكاتِ المعلومات مصممة في الأصل بشكلٍ مفتُوحٍ دون قيود أو حواجز أمنية عليها؛ رغبة في التوسع وتسهيل دخول المستخدمين, وتحتوي الأنظمة الإلكترونية والشبكات المعلوماتية على ثغرات معلوماتية, ويمكن للمنظمات الإرهابية استغلال هذه الثغرات في التسلل إلى البنى المعلوماتية التحتية, وممارسة العمليات التخريبية والإرهابية.

ثانياً: غياب الرقابة الذاتية عن طريق التربية ، وخصوصية الثقافة المجتمعية ، وإلغاء الحدود الجغرافية مما يؤدى إلى تدني مستوى المخاطرة، فيستطيع محترف الحاسوب أن يقدِّم نفسه بالهوية والصفة التي يرغب بها ، أو يتخفى تحت شخصية وهمية, ويطلق على نفسه ألقابا ، أو أسماء مستعارة ، ويؤيدها بأدلة مادية ملموسة كالصور ، أو بعض المعلومات الصحيحة ليثبت جديته ، و من ثم بعد فترة يستطيع أن يشن هجومه الإلكتروني وهو مسترخٍ في منزله من دون مخاطرة مباشرة, وبعيداً عن أعين الناظرين.

ثالثاً: سهولة الاستخدام التقنى وقلة التكلفة المادية ، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى ، وجميع وسائل التواصل الالكترونى زهيدة التكلفة ومتوفرة في جميع دول العلم ، بخلاف فترة الثمانينيات من القرن الماضى مثلا …

إن السمة العولمية لشبكات المعلومات تتمثل في كونها وسيلة سهلة الاستخدام, طيعة الانقياد, قليلة الكلفة, لا تستغرق وقتاً ولا جهداً كبيراً, مما هيأ للإرهابيين فرصة ثمينة للوصول إلى أهدافهم غير المشروعة, ومن دون الحاجة إلى مصادر تمويل ضخمة, فالقيام بشن هجومٍ إرهابي إلكتروني لا يتطلب أكثر من جهاز حاسب آلي متصل بالشبكة المعلوماتية ومزود بالبرامج اللازمة.

رابعاً: صعوبة اكتشاف وإثبات الجريمة الإرهابية الإلكترونية ، لأن التكنولوجيا لا تستطيع تحديد هوية مرتكب الجريمة الإلكترونية إلا عن طريق أجهزة معينة تمتلكها بعض المؤسسات الأمنية ، أما الأفراد فلا يستطيعون تحديد ذلك .

في كثير من أنواع الجرائم المعلوماتيّة لا يعلم بوقوع الجريمة أصلاً وخاصة في مجال جرائم الاختراق, وهذا ما يساعد الإرهابي على الحركة بحرية داخل المواقع التي يستهدفها قبل أن ينفذ جريمته, كما أن صعوبة الإثبات تعتبر من أقوى الدوافع المساعدة على ارتكاب جرائم الإرهاب الإلكتروني؛ لأنها تعطي المجرم أملاً في الإفلات من العقوبة.

خامساً: الفراغ التنظيمي والقانوني وغياب جهة السيطرة والرقابة على الشبكات المعلوماتية:

إن الفراغ التنظيمي والقانوني لدى بعض المجتمعات العالمية حول الجرائم المعلوماتية والإرهاب الإلكتروني يعتبر من الأسباب الرئيسة في انتشار الإرهاب الإلكتروني, وكذلك لو وجدت قوانين تجريمية متكاملة فإن المجرم يستطيع الانطلاق من بلد لا توجد فيه قوانين صارمة ثم يقوم بشن هجومه الإرهابي على بلد آخر يوجد به قوانين صارمة, وهنا تثار مشكلة تنازع القوانين والقانون الواجب التطبيق.

كما أن عدم وجود جهة مركزية موحدة تتحكم فيما يعرض على الشبكة وتسيطر على مدخلاتها ومخرجاتها يعدُّ سبباً مهماً في تفشي ظاهرة الإرهاب الإلكتروني, حيث يمكن لأي شخص الدخول ووضع ما يريد على الشبكة, وكل ما تملكه الجهات التي تحاول فرض الرقابة هو المنع من الوصول إلى بعض المواقع المحجوبة, أو إغلاقها وتدميرها بعد نشر المجرم لما يريده فيها.

ومن الأسباب – أيضا – غياب دور المنزل والمدرسة في الرقابة على الأطفال والشباب ، مما يجعلهم يستخدم هذه التكنولوجيا استخداما خاطئا ، أو يتمادى الطالب في السلوك التقنى السئ ، ومن الأسباب التى أدت إلى ظهور الإرهاب عامة والإلكترونى خاصة : الغلو والتشدد في بعض أمور الدين ، فبعض الشباب ممن يستخدمون التكنولوجيا أصلح الله حالى وحالهم يرون أنهم أعلم من غيرهم ، وأن بعض العلماء على ضلالة ، لذا يجب محاربة آرائهم عن طريق هذه التكنولوجيا …

وربما بدا سبب الفراغ الذى يغلب على كثير من الشباب سببًا رئيسًا ، فبسببِ الفراغ يلجأُ الشبابُ إلى هذهِ التكنولوجيا ، وقد يقع في براثن الإرهابيين عن طريق مواقع التواصل الاجتماعى ، ومن الأسباب غير المباشرة الجهل بطريقة التصحيح الصحيحة في التعامل مع التكنولوجيا .

لكل هذه الأسباب والدوافع وغيرها أصبح الإرهاب الإلكتروني هو الأسلوب الأمثل والخيار الأسهل للمنظمات والجماعات الإرهابية ، بل وبعض الأفراد المرضى .

وفى النهاية نقرر أنه لا يمكن لأىّ دولة فى هذا العصر خاصة من بداية هذا القرن أن تعيش بمعزل عن التكنولوجيا ، لأنها أصبحت من أهم وسائل التواصل العالمى ، وأداة ترابط بين دول العالم ، وفي ظل الترابط الوثيق بين أجزاء العالم عبر تقنيات المعلومات والاتصالات والتطبيقات التي سمحت بانسياب الأموال والسلع والخدمات والأفكار والمعلومات بين مستخدمي تلك التقنيات ، بات من الضروري لكل بلد حماية أفراده ومؤسساته ومقدراته وحضارته من آثار هذا الانفتاح ، ومع إدراك الجميع اليوم للفوائد الجمة لتقنية المعلومات ، فإن المخاطر الكامنة في تغلغل هذه التقنية في بيوتنا ومؤسساتنا تتطلب من المجتمع والدولة جميعا الحيلولة دون حصول تلك المخاطر بشتى أنواعها ، ومن أهم ما يجب توفيره في هذا الصدد حجب المواقع الضارة والتي تدعو إلي الفساد والشر ، ومنها المواقع التي تدعو وتعلم الإرهاب والعدوان والاعتداء علي الآخرين بغير وجه حق ، فهذا الأسلوب يعد من الأساليب المجدية والنافعة ، فإنسان لا يعرض نفسه للفتن والشرور ، بل المسلم يسأل ربه أن يحفظه من التعرض للفتن .

لذا تصدت الدول العربية والإسلامية في منطقتنا وما زالت للإرهاب الإلكترونى ، وكل يوم تسد فيه ثغرة من هذه الثغرات ففى مصر يجري العمل في وزارة الاتصالات والمعلومات لإصدار نظام عن الجريمة الالكترونية ،يتضمن عقوبات رادعه لمن يقوم من الأفراد أو المؤسسات بتزوير أو إفساد مستند الكتروني على الشبكة ، أو الكشف عن بيانات ومعلومات بدون وجه حق ، وغيرها من صور الجريمة الالكترونية .

ونظراً للتطور الرهيب والمتنامي في مجال الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات فإن الإرهابيين سوف يكونون أكثر اعتماداً على تكنولوجيا الاتصالات الالكترونية في المستقبل، ، وسوف يصبح الإرهاب أكثر تعقيداً وخطورة، فلا يجب البتة المبالغة في حجم الأخطار الحالية حتى يتسنى مواجهة تلك التحديات بشيء من الروية وحسن التصرف. وكما يستطيع الإرهابيون استخدام تلك الشبكة بكفاءة، كذلك يستطيع صانعو السلام، استخدام الانترنت لمجابهتهم، عملا ً بالمثل القائل “داوني بالتي كانت هي الداء”، والمقصود هو نشر الأفكار السامية والمتحضرة التي تدعو إلى السلام والمحبة والتعايش السلمي بين الحضارات المختلفة، وبالتالي تطغي تلك المواقع الصالحة على السموم التي تنشرها المواقع الإلكترونية الإرهابية، تلك الأنشطة التي تدعم الدبلوماسية وإدارة الأزمات السياسية بالطرق السلمية عبر الشبكة العالمية للانترنت، كما أنه لا بد وأن تسعي الدول والحكومات إلى فرض الرقابة الكافية على كل ما يقدم من خلال الشبكة لمنع الدخول على بعض المواقع التي تبث الفكر الإرهابي .

لقد تصدى العالم بأجمعه للإرهاب الإلكترونى ، وهبّت دول العالم بعد التطور الهائل لتقنية المعلومات وسنت أنظمة لضبط التعاملات الالكترونية ، وتضمنت تلك الأنظمة عقوبات للمخالفين في التعاملات الالكترونية ، ففى أمريكا عقاب بالسجن والغرامة ، مع جواز التجسس على البريد الإلكترونى ، وإن كان الإسلام يحرم اختراق الرسائل الإلكترونية إلا في حالات التجسس على المجرمين .

وفي المملكة المتحدة وضعت الحكومة البريطانية خططا للتصدي للإرهاب على شبكة الإنترنت قدرت تكلفتها بحوالي 500مليون جنيه إسترليني.

وكذا توالت العقوبات في كل دول العالم لتجرم الإرهاب الإلكترونى ، فلم تجد دولة صغيرة أو كبيرة لم تسن قانونا لمكافحة هذه الجريمة العصرية .

فى نهاية المطاف نرى أن دور مصممى البرامج في ملاحقة هذا الإرهاب قبل وقوعه يعد بمثابة الإنذار ؛ فإنه لا شك فيه أن مطوري تكنولوجيا المعلومات وخبراء الإنترنت مطالبون بملاحقة أنشطتهم التوسعية بأنشطة حماية وسد ثغرات لحماية هذا الفضاء الحيوي من أن يصبح ساحة إرهاب دامية. ويجب تطوير قدرة الشركات والمنظمات والحكومات على التصدي للتهديدات الإلكترونية، وتوفير التقنيات اللازمة لمواجهتها، عبر تطوير أمن شبكات الحاسب باستخدام أنظمة التشفير المتقدمة و”الجدران النارية” في الشبكات، وأنظمة اكتشاف المخترقين عالية الدقة، والبرامج المضادة للفيروسات كما وأن إنشاء إدارات لمكافحة “الإرهاب الإلكتروني” في أنظمة الأمن، خصوصاً في الدول التي تشهد تقدماً مطرداً في اعتمادها على تكنولوجيا المعلومات، أمر حيوي، خاصة وأن التطور الحاصل في هذا المجال يتسارع، والثغرات التكنولوجية فيه تتسع، وهو الأمر الذي يستلزم مواجهة كفؤة متخصصة للحد من احتمالات نجاح التهديدات الإرهابية في هذا المجال.

مما سبق يتضح لنا أن العالم دولا وشعوب أصبح أمام تحد كبير، يتطلب تنسيقا إلكترونيا عالي المستوى بين الأجهزة الأمنية في كافة الدول، فضلا تعزيز التعاون والتنسيق مع المؤسسات الدولية المعنية بمواجهة هذا المشكلة وبخاصة الإنتربول لمواجهة كافة أشكال جرائم الإرهاب على الإنترنت .


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات