
رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يعيد اليوم طرح الاتهامات المعتادة والمملة التي يرددها هو وأسلافه، متهما إيران بدعم الإرهاب. عندما يتهم مسؤولون أمريكيون إيران بـ"الإرهاب الحكومي"، فإنهم في الواقع يسقطون على غيرهم صورة لعقود من سلوكهم العنيف وغير القانوني، ليعرضوها على رأي العام. هذه هي آلية الإسقاط النفسي الدفاعية التي تحولت في مجال السياسة الخارجية إلى استراتيجية مألوفة لبعض الحكومات والسياسيين. لفهم هذا الادعاء، لا حاجة للذهاب إلى أعداء أمريكا؛ يكفي النظر إلى الوثائق الرسمية والتحقيقات التي أجريت داخل أمريكا نفسها.
الاغتيال والانقلاب: نمط سلوكي ثابت في السياسة الخارجية الأمريكية
لأمريكا تاريخ طويل في اغتيال القادة المنتخبين والمستقلين في الدول. كشفت تحقيقات لجنة تشيرش - اللجنة المنتخبة في مجلس الشيوخ عام 1975- رسميا أن وكالة المخابرات المركزية تآمرت لاغتيال قادة سياسيين في عدة دول من بينها كوبا (فيديل كاسترو)، والكونغو (باتريس لومومبا)، والجمهورية الدومينيكية (رافائيل تروخيو)، وفيتنام (نغو دينه ديم). وأظهرت وثائق منشورة أن الوكالة احتفظت بقدرة على تنفيذ عمليات اغتيال خارج إطارالقضاء. وفقا للتقرير النهائي للجنة، بين عامي 1960 و1970، تورطت الولايات المتحدة في عدة مؤامرات اغتيال.
في ما يخص إيران، فإن قضية اغتيال الشهيد الفريق قاسم سليماني بأمر مباشر من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، هي مجرد نموذج بارز وواضح. وقبل ذلك، استهداف الطائرة المدنية الإيرانية من طراز إيرباص فوق الخليج الفارسي عام 1988، مما أدى إلى استشهاد 290 راكبا، والهجوم على السفينة التجارية الإيرانية "إيران راجر" عام 1987 مما أدى إلى استشهاد 4 بحارة واحتجاز 25 آخرين كرهائن، هي جزء من أعمال الإرهاب الحكومي الأمريكي ضد إيران. اغتيال قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمی خامنئي في مارس 2026 ومجموعة من مرافقيه وأفراد أسرته وعدد من المسؤولين السياسيين والشخصيات العلمية في البلاد هو أيضا جزء من السجل الأسود للحكومة الأمريكية في اللجوء إلى الأعمال الإرهابية. إضافة إلى ذلك، فإن تصريحات ترامب المتكررة عن تسليح جماعات انفصالية وإرهابية كردية معادية للثورة لإستخدامها داخل البلاد، ليست سوى اعتراف صريح بدور واشنطن في دعم الإرهابيين.
دعم الإرهاب الدولي: إرهابيون يُسمون قوات تحرير
قضية نيكاراغوا أمام محكمة العدل الدولية عام 1986 هي أحد أوضح الإدانات التاريخية لأمريكا في انتهاك القانون الدولي واستخدام الإرهاب الحكومي. أدانت محكمة العدل الدولية الولايات المتحدة بتدريب وتمويل ودعم لوجستي لمجموعات "الكونترا" المتمردة التي ارتكبت فظائع ضد المدنيين وأعمال إرهاب. لم تكتف واشنطن بتجاهل هذا الحكم، بل استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن.
مع انتهاء الحرب الباردة، لم يتوقف هذا النمط. أمريكا في أفغانستان زودت ما يسمى بالمجاهدين (بما في ذلك الجماعات التي شكلت لاحقا نواة تنظيم القاعدة) بالأسلحة والتمويل بمليارات الدولارات. زبيغنييف بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق، اعترف صراحة بأن المساعدة للمجاهدين بدأت قبل الغزو السوفييتي لإيقاع الاتحاد السوفييتي في فخ. أولئك الذين أصبحوا لاحقا بزي القاعدة رمزا للإرهاب، كانوا أمس "مقاتلي حرية" بتمويل وتدريب من وكالة المخابرات المركزية.
أعمال العنف المباشر: من كوبا إلى الطائرات المسيرة
عملية "مانغوس" والإرهاب ضد كوبا: في ستينيات القرن العشرين، دربت الوكالة جماعات من المنفيين الكوبيين لتفجير فنادق ومزارع ومنشآت صناعية. تلك الشبكة الإرهابية نفسها كانت مسؤولة لاحقا عام 1976 عن تفجير طائرة الركاب الكوبية "كوبانا" مما أسفر عن مقتل 73 شخصا. قادة هذه الجماعات مثل لويس بوسادا كاريليس وأورلاندو بوش، عاشوا بحرية في فلوريدا بدعم وتغاض من السلطة القضائية الأمريكية. بوش حصل على عفو رئاسي من جورج بوش الأب عام 1990، وبوسادا لم يُعتقل إلا بتهمة الدخول غير القانوني، وليس الإرهاب.
استخدام الطائرات المسيرة والاغتيال خارج إطار القضاء: من عهد بوش الإبن إلى أوباما، أطلقت أمريكا برنامجا واسعا للاغتيال بالطائرات المسيرة في باكستان واليمن والصومال. تشير التحقيقات إلى أن ما بين 15 إلى 30 بالمئة من ضحايا هذه الهجمات هم مدنيون. جون برينان، مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب، اعترف ضمنيا أن هذه الهجمات تسببت في مقتل مواطنين أبرياء. هذه الأفعال التي تعتبر وفق القانون الدولي إعدامات خارج القضاء وأحيانا إرهابا حكوميا، لا تزال مستمرة حتى اليوم.
دعم الديكتاتوريات الراعية للإرهاب
في أمريكا اللاتينية، دعمت الولايات المتحدة "خطة لاثو" في كولومبيا خلال ستينيات القرن العشرين، والتي أدت إلى تشكيل ميليشيات يمينية عُرفت بجيوش مكافحة الشيوعية. هذه الجماعات ارتكبت التعذيب والاختفاء القسري واغتيال عشرات الآلاف من الفلاحين وأعضاء النقابات والنشطاء اليساريين. في السلفادور وغواتيمالا، ارتكبت الميليشيات المدعومة من واشنطن عقودا من الإبادة الجماعية ضد الشعوب الأصلية. عام 1966، تم إنشاء أول فرقة موت في غواتيمالا بواسطة عملاء أمن أمريكيين وأشرفوا عليها مباشرة.
عقود من الاعتداء والقتل والاغتيال للفلسطينيين على يد إسرائيل بدعم أمريكي مطلق
واشنطن تدّعي مكافحة الإرهاب بينما هي تدعم لعقود الإرهاب الحكومي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين دعما كاملا. الولايات المتحدة من ناحية تستخدم الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن الداعية لوقف فوري لإطلاق النار في غزة، مانحة بذلك الضوء الأخضر لجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني. ومن ناحية أخرى تقدم سنويا مليارات الدولارات كمساعدات عسكرية لإسرائيل. مجموع المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل من 2023 حتى 2025 تجاوز 21 مليار دولار. مساعدات مالية وعسكرية، إلى جانب الدعم الدبلوماسي في مجلس الأمن، ترسم مشاركة أمريكية مباشرة في جرائم وصفتها المؤسسات الدولية بالإبادة الجماعية والتجويع المتعمد والجرائم ضد الإنسانية. استمرار جرائم إسرائيل في قتل أكثر من 72000 فلسطيني من أكتوبر 2023 حتى الآن، لم يكن ليتحقق بدون دعم واشنطن. واشنطن، بصفتها الداعم الرسمي لقتل واغتيال الفلسطينيين منذ ذلك التاريخ و قبل ذلك، يجب أن تحاسبها المحاكم والتاريخ والرأي العام.
الإرهاب الحكومي؛ عنوان لصق بجبهة أمريكا
الولايات المتحدة، بفضل نفوذها وميزانيتها العسكرية وحق الفيتو في مجلس الأمن، أصبحت أكبر وأكثر راعي للإرهاب الحكومي حصانة في التاريخ المعاصر. ادعاء رئيس أمريكا اليوم والأمس بشأن إيران، ليس خطأ استخباراتيا بل استراتيجية محسوبة تُسمى الهروب إلى الأمام، لإخفاء إخفاقاته في حربه غير القانونية على إيران ومحاولة لتبرير المستحيل داخليا وخارجيا.
زمن هذا الهذيان قد انتهى. السلوكات غير القانونية لأمريكا من أجل مصالحها الشخصية أصبحت عارية ومكشوفة ونمطا متكررا لدرجة أن هذه الادعاءات من قبل المسؤولين الأمريكيين، بدل أن تنفعهم، تفضحهم أكثر. الحقيقة واضحة ولا يمكن تغطيتها.
ترك تعليقاتك
إدراج تعليق كزائر