المراهنة على منظمة مجاهدي خلق

 

 

 

اعتادت منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية إقامة مؤتمرها السنوي في باريس قبل إنتقالهم إلی العاصمة الألبانیة تیرانا بحضور الآلاف من أعضائها الذين تم نقلهم من العراق، بواسطة الأمم المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية وکالعادة شارك في المؤتمر مسؤولون سابقون من دول عدة، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا والسعودية ویتکرر حدیث المشارکین في المؤتمر بشأن السياسة الصحيحة تجاه الديكتاتورية الدينية، وأهم القضايا السياسية والاستراتيجية المتعلقة بإيران ولا تعكس هذه المؤتمرات الحقيقة وتغاير وزنها السياسي في الداخل الإيراني تماما، وما يساعد في القبول السريع بهذه الصورة المغلوطة عند البعض، هو الفضاء الإقليمي المشحون بالتوتر مع إيران. منظمة مجاهدي خلق التي توصف في الأدبيات الرسمية الداخلية بـ "زمرة المنافقين"، لا تحظى اليوم بأي ثقل سياسي وامتداد في الداخل الإيراني وإن صح التعبير فهي زمرة منبوذة حتى من المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج قبل أن تكون منبوذة من أنصار النظام الإيراني نفسه، والشعب الإيراني بشكل عام، وذلك لأسباب عديدة، أهمها دخول المنظمة في مسار الانحراف الفكري والسياسي قبل الانحراف السلوكي بعد عقد من تأسيسها تقريبا في نهايات العصر البهلوي وقبيل انتصار الثورة الإيرانية بسنوات عدة، فتوجه المنظمة نحو الفكر الماركسي وتبنيها ذلك، وغياب الهوية المحددة واضحة المعالم، من خلال المزج بين الإسلامية، واليسار المنحرف، والممارسة العسكرية، أدى إلى نشوء هجين تنظيمي خطير.

قبل أن تشهد المنظمة تذبذبات فكرية وسياسية، كان لها سجل نضالي ضد الشاه، وكان أعضاؤها وقادتها المؤسسين مقربين من رموز التيار الوطني الإسلامي، أمثال آية الله طالقاني، الذين تبرأوا منها لاحقا. بعد خروج مسعود رجوي من السجن أيام الثورة الإسلامية، أعاد التيار تنظيم نفسه تحت المسمى القديم "مجاهدي خلق"، محاولا الحفاظ على طابعه الديني، لكن سرعان ما اختلف مع مؤسس الثورة الإسلامية "آية الله الخميني"، وانتهزت المنظمة الأجواء السياسية في إيران بعد عزل الرئيس بني صدر، ودعت أنصارها إلى حمل السلاح ومواجهة الثورة الناشئة في الشارع، فقامت بعمليات اغتيال ضد الشخصيات الثورية، أبرزهم الرئيس الإيراني الأسبق "محمد علي رجائي"، ورئيس وزرائه "محمد جواد باهنر"، وتفجير مقر حزب الجمهورية الإسلامية واغتيال رئيس السلطة القضائية "آية الله بهشتي"، وعشرات عمليات أخرى. هذه العمليات دفعت الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية لاحقا إلى إدراج منظمة مجاهدي خلق ضمن قوائم الإرهاب لسنوات عديدة، وذلك قبل أن يتم حذف اسمها في عامي 2009 و 2012. بعد فشل المنظمة في الاستيلاء على السلطة عبر استخدام السلاح، هرب قادتها إللى فرنسا وثم إلى العراق إبان الحرب العراقية الإيرانية، شاركت المنظمة في الحرب إلى جانب القوات العراقية، وقامت بعدة عمليات عسكرية كبيرة في السنوات الأخيرة من الحرب وحتى قبيل القرار الأممي 598 القاضي بوقفها، كان ذلك انتحارا سياسيا واجهت الحركة نتائجه السلبية بين أبناء الشعب الإيراني.

لجوء منظمة مجاهدي خلق إلى السلاح في الخلافات الداخلية، وقتلها المئات من الإيرانيين وعلى رأسهم شخصيات كبيرة بعيد الثورة التي كانت خيار الأغلبية الساحقة من الإيرانيين في مواجهة الشاه، ومشاركتها الفاعلة في الحرب ضد إيران، وقيامها بالكشف عن مواقع نووية إيرانية لاستخبارات دول غربية وتحريض هذه الدول لفرض مزيد من العقوبات على طهران، حولت منظمة مجاهدي خلق إلى جسم منبوذ وموتور بين الناس .

اليوم ما يثير الدهشة هو الرهان الغربي والسعودي على هذه المنظمة التي لا تتمتع بأي مصداقية ورصيد سياسي وشعبي في الداخل الإيراني. هنا السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل الغرب والسعودية يجهلون حقيقة الأوضاع في إيران؟ أم أنهم يبتغون مآرب أخرى بهذا التجاهل عبر استضافة مؤتمرات هذه المنظمة والمشاركة فيها؟ واذا كانوا على علم بالأوضاع السياسية الداخلية في إيران، فما الهدف من الاستثمار في حصان خاسر؟ إن السعودية، التي يحل رئيس استخباراتها السابق "تركي الفيصل" ضيفا منذ عامين على مؤتمرات "خلق" في تطور لافت يأتي على خلفية الأزمة الراهنة في العلاقات الثنائية تسعی لإکتساب القوة من خلال إستخدامها لمنظمة خلق کوسیلة ضغط علی الحکومة الإیرانیة .ومن جانب آخر، تأتي مشاركة السعودية هذا العام بعد تصريحات لولي العهد السعودي الجديد حول نقل الحرب إلى داخل إيران واشتداد المعارك بين الجانبين. والخطورة هنا أنه هل السعودية تتجرأ مستقبلا بتنفيذ تهديدها لنقل الحرب إلى داخل إيران من خلال إرسال عناصر من منظمة خلق التي لها سجل كبير في القيام بعمليات الاغتيال والتفجيرات؟.

أما الضيوف الأمريكان والأوربيين الذين شاركوا في المؤتمر السابق ولم يلتحق بهم شخصيات جديدة، أمثال رودي جوليانی رئيس بلدية نيويورك السابق، وجون بولتون سفير واشنطن السابق في الأمم المتحدة، و نيوت غينغريج الرئيس السابق لمجلس النواب الأمريكي، وبرنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، ونواب من البرلمان الأوروبي. الجديد في هذه الدورة أن هؤلاء الضيوف الأمريكيين لم تكن لهم آذان صاغية في البيت الأبيض خلال ولايتي باراك أوباما لكن اليوم هناك من يسمع لهم، على رأسهم دونالد ترامب الذي يكن العداء الصريح لإيران، وهم بالأساس يُعدّون من مقربيه، ومانطق به هؤلاء في المؤتمر، سبقهم وزير الخارجية الأمريكي قبل فترة وجيزة، من خلال التأكيد على اعتزام بلاده تغيير النظام الإيراني. خلاصة القول، إن انعدام رصيد شعبي وسياسي لمنظمة مجاهدي خلق في داخل إيران والنظرة العدائية الشعبية تجاهها، يجعل الرهان عليها لمواجهة إيران رهانا خاسرا وبالتالي المراهنة على هذه المنظمة، يدل على سوء التقدير ومغامرة سياسية غير محسوبة.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات