السلفية الألمانية

 

من الواضح أن لانتشار الأفكار السلفية في ألمانيا أثراً كبيراً على المجتمع الإسلامي ، فقد لعب الانترنت دورا کبیراً وکذلك شبكات التواصل الاجتماعي، والكتب والمنشورات المترجمة التي تروج لمفاهيم السلفية للإسلام وغالباً ما ترافقها فتاوى مترجمة أصدرها علماء سعوديون. الدعوة السلفية الجهادية وانتشار أفكارها في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة يمثلان تحدياً جدياً لنفوذ المؤسسات الإسلامية الرسمية، وليس للأجهزة الأمنية الألمانية وحسب، بخاصة بعد أن أدى العنف السياسي الذي يمارسه السلفيون الراديكاليون إلى جعل السلفية رمزاً للتهديد الإسلامي الجديد. وتنامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة مخاوف الألمان وهواجسهم من المسلمين والإسلام ككل، إذ كشفت دراسة اعدها “البوندستاغ”، أن كراهية الإسلام ليست ظاهرة مرتبطة باللاجئين فقط، إذ إن 55.7 في المئة من الألمان الذين تم استطلاعهم أعلنوا أنهم لا يريدون وجود مسجد بالقرب من مناطقهم السكنية، ودعا 70 في المئة إلى منع الحجاب في المدارس والمؤسسات، وقال أكثر من 33 في المئة أنهم لا يريدون مجاورة مسلمين في مناطقهم السكنية. صعود وتنامي الجهاديين السلفيين في ألمانيا تعتبر الشرطة ووكالات الاستخبارات الألمانية ما يقرب من 800 إسلامي وسلفي في ألمانيا إرهابيين محتملين، وفقًا لتقرير مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية في ألمانيا لعام 2018. ومن بين هؤلاء، يوجد حاليًا 450 في ألمانيا، بينما غادر آخرون الدولة. وفي الوقت نفسه، يلاحظ مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية أن انتشار المتطرفين “غير العنيفين” أصبح يمثل مشكلةً متفاقمة. وتجدر الإشارة إلى أن عددًا من الهجمات الإرهابية قد ضربت ألمانيا في عام 2016، ما استرعى الانتباه إلى البيئة السلفية المتنامية في الدولة.

ومنذ 11 سبتمبر 2001، لقي عدد أكبر من المواطنين الألمان حتفهم في هجمات إرهابية نفذتها جماعات تنتمي لتيارات الإسلام السياسي أكثر مما قُتلوا في الحملة الإرهابية التي دامت ثلاثين عامًا على يد الإرهابيين الشيوعيين المدعومين من الاتحاد السوفييتي التابعين لفصيل الجيش الأحمر، المعروف في كثير من الأحيان باسم عصابة بادر- مينهوف. وقد حذرت أجهزة الأمن، في وقتٍ مبكر من عام 2014، من أن الإرهاب الناشئ من الإسلاميين، سواء كان منظمًا أو فرديًا، أصبح أكبر تهديد في ألمانيا. ووفقًا للمكتب الفيدرالي لحماية الدستور، جهاز الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، كان هناك ما يقرب من 26 ألف إسلامي في ألمانيا اعتبارًا من أبريل 2018، على الرغم من أن عدد أولئك الذين يُعتقد أنهم يشكلون (التهديد الإسلامي)، أي المتحمسون والقادرون على تنفيذ هجوم إرهابي، أصغر بكثير، قرابة 800 شخص، فإن نصفهم بالفعل خارج الدولة و150 آخرين في السجن. ومن بين الجماعات الجهادية السلفية المهمة جماعة “الدين الحقيقي”، التي تم حظرها في نوفمبر 2016 بعد أن وجدت السلطات أن 140 من مؤيدي الجماعة ذهبوا للقتال مع تنظيم داعش في سوريا والعراق.

وقد تم احتواء مؤسس الجماعة، وهو فلسطيني يدعى إبراهيم أبو ناجي، إلى حد كبير، وتراجعت عملياته من نطاقها الدولي- في ظل وقف أنشطته في سويسرا والنمسا إلى ممارسة “الدعوة في الشارع” في ألمانيا من حين لآخر. ويعتقد جهاز الاستخبارات الداخلية أن التهديد الحالي الناشئ عن التطرف من قبل هذه الجماعة قد تم القضاء عليه داخل المساجد والمنظمات السلفية الوطنية، وبات ينحصر معظمه الآن على الانترنت. ويكافح الألمان للتعامل مع جماعة تضم قرابة 500 متطرف من القوقاز – الشيشان وداغستان وأنجوشيا. هؤلاء الرجال متمرسون ومتحمسون بعد صراعهم الطويل مع الحكومة الروسية، وشاركوا في عمليات التجنيد لصالح تنظيم داعش في سوريا والعراق تقدر السلطات الأمنية عدد السلفيين المتشددين في ألمانيا بنحو 6500 ولكن ليسو جميعا مستعدين لاستخدام العنف. ويستغل هؤلاء المساجد لجذب الشبان ونشر التطرف بين المسلمين مثل مسجد النور في برلين الذي قامت السلطات الأمنية بإغلاقه، حيث كان يعتبر معقلا لسلفيين متشددين حسب هيئة حماية الدستور وتقوم الشرطة بين الحين والآخر بمداهمة مساجد ومقرات جميعات سلفية وبيوت مسؤوليها وتعتقل المطلوبين منهم، كما تُغلق المكاتب والمقرات التي تعود إلى تلك الجمعيات التي يشتبه قيامها بنشاطات غير قانونية. يسعى السلفيون من خلال نشاطاتهم إلى نشر الفكر الإسلامي المتشدد وتقديم "الإسلام على أنه دين العنف والكراهية والزواج القسري والإرهاب"، كما جاء في أحد مقاطع الفيديو على الإنترنت للجمعية السلفية "الدين الحق" التي تم حظرها من قبل السلطات الألمانية واعتُقل أحد مؤسسيها وأبرز وجوهها ابراهيم أبو ناجي. يبدو المشهد السلفي في ألمانيا في صور مختلفة، فهو يضم العديد من المتطرفين المستعدين للقيام بأعمال عنف. كما يستغل هؤلاء كل فرصة لنشر مواقفهم المتشددة، من خلال القيام بأنشطة أو تظاهرات لجذب الشباب للتنظيمات المتطرفة. تأسست الحركة السلفية عام 2005 على يد الفلسطيني ابراهيم ابو ناجي الذي كان يقيم في كولونيا، حيث يقع المقر الرئيسي لمنظمته التي تسمى “جمعية الدين الحق”.

استخدم ابو ناجي وأنصاره مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب منابر لنشر أفكارهم وبث خطاباتهم وتسجيلات فيديو تدعو وتحث الألمان على اعتناق الإسلام وكان ابو ناجي أدار حملة حملت اسم “اقرأ” لتوزيع ملايين النسخ من القرآن المترجم في السعودية على الألمان، ما دفع دائرة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، إلى تصنيفه كأحد “القيادات السلفية الخطيرة في البلاد صنفت أجهزة الأمن الألمانية ما سمته المساعي السلفية، بأنه تهديد مباشر للأمن، ورأت أن “الدعاية السلفية تساهم في تشكيل تجمع تعبوي من المسلمين الذين يعتبرون أن واجبهم الديني هو تأسيس دولة إسلامية بالقوة إن لزم الأمر” فوغل المكنى بـ”أبو حمزة” و”صلاح الدين الايوبي”، كما يطلق عليه اتباعه اسم الفاتح الإسلامي، هو ملاكم سابق، اعتنق الإسلام عام 2001 شكل فوغل مع ستة سلفيين من اتباعه ما سمي “شرطة الشريعة”، في مدينة فوبرتال، قامت بدوريات في أرجاء المدينة لفرض أحكام الشريعة الإسلامية على المسلمين وغير المسلمين، ومنعهم من ارتياد الحانات وحفلات الموسيقى والمراقص، كما أعلنت إنشاء منطقة خاضعة لأحكام الشريعة في حي ألبرفلد في المدنية، إضافة إلى إقامة محاكم شرعية لفض النزاعات وعقد قران القاصرات وغيرها من الأحكام الشرعية الأخرى وصنفت أجهزة الأمن الألمانية ما سمته المساعي السلفية، بأنه تهديد مباشر للأمن، ورأت أن “الدعاية السلفية تساهم في تشكيل تجمع تعبوي من المسلمين الذين يعتبرون أن واجبهم الديني هو تأسيس دولة إسلامية بالقوة إن لزم الأمر”.

وأشارت إلى “وجود صلة واضحة بين السلفية والتحول الراديكالي”، فيما وصف المكتب الاتحادي لحماية الدستور في تقريره السنوي الحركة السلفية بأنَّها “الحركة الإسلامية الأكثر ديناميكية في ألمانيا”. واوضحت أنَّ “الطبيعة الاستبدادية التي تميِّز الحركة السلفية تتعارض مع أجزاء كبيرة من النظام الدستوري الألماني، فهي ترفض المبادئ التي يقوم عليها النظام الديموقراطي مثل الفصل بين الدولة والدين، والسيادة الشعبية، وحق الفرد في تقرير اختياراته على صعيدي الدين والعلاقات الجنسية، والمساواة بين الجنسين قلق السلطات الأمنية الألمانية من تنامي عدد السلفيين في برلين ذكرت مصادر أمنية ألمانية أن عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل مطرد، وتتنامى مخاوف لدى أجهزة الأمن من انجرار بعضهم للعنف، ما يطرح تحديات كبيرة على السلطات الأمنية، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى إجراءات وقائية مخاطر التطرف؟ ويرتبط مصطلحا "السلفية" و"السلفيون" في ألمانيا عادة بـ"الإسلام السياسي" وبالأفكار المتشددة والمتطرفة التي ينشرها بعض الدعاة، وكذلك بالشباب المسلم، المستعد لارتكاب العنف والانضمام للجماعات الإرهابية والمتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية داعش. "ولاية شمال الراين فستفاليا - بؤرة للسلفيين؟ قصة فيلباخ تظهر مدى نشاط وفاعلية وخلاقية الجمعيات العاملة في دول الخليج، عندما يتعلق الأمر بنشر الإسلام في ألمانيا وأوروبا. فهذه الجمعيات تحاول منذ سنوات نشر مفهومها المحافظ جدا والمتشدد عن الإسلام في العالم الغربي. وفي هذه الحالة، كما رأينا، كانت الجمعية كويتية الجنسية. كما يتم ذكر المملكة العربية السعودية دوما كمصدّر للإيديولوجية السلفية على الغرب وبقية دول العالم.

وأسفرت السياسية في تطور وظهور شبكة واسعة متشابكة من المؤسسات والمساجد والمدارس الدينية والدعاة التي تعمل بمفهوم الفكر الوهابي وتنشره في كل مكان في العالم. أما تمويل هذه الشبكة فكان مزيجا من أموال الدولة ومن القطاع الخاص، أو من أفراد واشخاص ومؤسسات دينية غير تابعة للدولة، حيث تم إغراق دول البلقان مثلا ودول في جنوب شرق آسيا ودول أوروبية بهذه الأموال لدعم الفكر السلفي الوهابي وتمويل مدارسه الدينية وتوزيع القرآن مجانا إلى جانب توزيع المواد التعليمية الدينية والكراسات مجانا أيضا.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات