الإرهاب في افریقیا (1)

 

 

عندما ضعف تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان في السنوات الأخيرة، تنبأ العديد من المتخصصين بانتقال شبكات الإرهاب إلى مناطق أخرى في العالم. ومع عودة فصائل القاعدة وظهورها في دول أفريقيا خاصة في الصومال ومالي ونيجيريا، فضلاً عن شمال أفريقيا، و أشار المراقبون إلى أن أفريقيا سوف تصبح مستقبلاً "أرض الجيل الثالث لتنظيم القاعدة" بحيث تكون "أفغانستان جديدة". و أیضاً في ظل الخسائر التي مُني بها تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق، صار المهرب والملجأ المناسب له هو أفريقيا،.

وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والذي قال في تصريحات لقناة «فوكس بيزنس» فبراير الماضي - إن مقاتلي «داعش» بعد إلحاق الهزيمة بهم سوف يزحفون من سوريا إلى دول أفريقية وتحولت غرب أفريقيا لملاذٍ وحاضنٍ جديد للمتطرفين الأفارقة، واتجه العديد منهم صوب العراق وسوريا بعد إعلان ما سُمي بـ«الخلافة» وتدفق مجموعات كبيرة منهم للالتحاق بصفوف «داعش» والقتال تحت راية أبو بكر البغدادي، واستمر هذا الوضع حتى العام 2017 حتى انحسار نشاط «داعش» في كل من سوريا والعراق، وتزايد الضربات الجوية والبرية على التنظيم من جانب التحالف الدولي لمحاربة «داعش». وفي العام 2018 حدثت الهجرة العكسية من خلال العودة الجماعية للمقاتلين الدواعش من القارة الآسيوية صوب البلدان الأفريقية ليتلاقى القادمون مع القدامى بهدف تشكيل منظومة إرهابية عالمية جديدة تتخذ هذه المرة من القارة الأفريقية منطلقاً لعملياتها بعد تهيؤ الأوضاع بالعديد من الأقطار التي تعاني من ارتخاء وهشاشة في وضعها الداخلي تتألف منطقة الساحل من عدّة بلدان أفريقية تمتد من غرب القارة إلى شرقها، انطلاقًا من داكار وصولًا إلى جيبوتي.

وتواجه هذه المنطقة تنامي التهديد الإرهابي والجريمة المنظمة. ثمة جماعات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تجتمع تحت راية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وأخرى تابعة لتنظيم داعش على غرار الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى تقوم بتنفيذ الكثير من الهجمات ضد القوات المسلّحة في منطقة الساحل والقوات الدولية التي تدعمها والتي تضم بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي المكلّفة بدعم تنفيذ اتفاق السلام المنبثق عن عملية الجزائر العاصمة ودعم جهود إرساء الاستقرار التي تبذلها السلطات المالية في وسط البلاد. وتمثل مختلف أوجه الاتجار، كالاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر وتهريب المهاجرين على وجه الخصوص، فضلًا عن التوترات الطائفية وتداعيات الاحترار العالمي على الانتفاع بالموارد عوامل تؤدّي إلى زعزعة الاستقرار يقوم مؤشر الإرهاب العالمي الذي بدأ في الصدور عام 2012 بتصنيف 163 دولة في العالم طبقًا لعدد من المعايير، مثل: عدد الهجمات والوفيات والإصابات، ومدى الأضرار التي لحقت بالممتلكات. وقدم فقط نظرة محدودة لمفهوم العنف أو الحريات السياسية حول العالم. و

لم يكن مستغربًا أن نجد العديد من البلدان تُصنّف بأنها أكثر أمانًا رغم كونها الأكثر قمعًا في العالم، مثل حالتي كوريا الشمالية وإريتريا. وفي الأعوام الماضیة سجلت أربع دول زيادة كبيرة في الوفيات الناجمة عن الإرهاب. فقد شهدت كلٌّ من مالي وموزمبيق ونيجيريا أكثر من 100 حالة وفاة إضافية. وطبقًا للتقرير، قد تمثل إفريقيا بؤرة الإرهاب الملتهبة في العالم خلال المستقبل القريب، إذ سجلت إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ثاني أكبر ‏عدد من الوفيات الناجمة عن الإرهاب بعد منطقة جنوب آسيا، متجاوزةً منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي أصبحت عام 2018 في المرتبة الثالثة. وهذه هي ‏السنة الأولى منذ بداية المؤشر الذي تظهر فيه إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في وضع أسوأ من حيث ضحايا الإرهاب مقارنة بمناطق الجوار القريب. وربما يُعزَى الدافع ‏الرئيسي لزيادة الإرهاب في المنطقة إلى ارتفاع وتيرة النشاط الإرهابي في نيجيريا.

وحالياً يتغلغل في قارة أفريقيا خمس مجموعات إرهابية مسلحة شديدة الخطورة، ولديها صلات بتنظيم القاعدة، وهي: "بوكو حرام" في نيجيريا، و"القاعدة في المغرب الإسلامي" شمال الصحراء الكبرى، وحركة "الشباب المجاهدين" الصومالية، وحركة "أنصار الدين" السلفية الجهادية في مالي، وحركة "التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا وتحتل نیجیریا المرتبة الثالثة والصومال المرتبة السادسة في قائمة أسوأ الدول تضررًا من الإرهاب في العالم. وبرغم ذلك فقد كان هناك انخفاض كبير في عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في الصومال العام الماضي، ويُعزَى ذلك -إلى حد كبير- إلى انخفاض بنسبة 57% في الوفيات الناجمة عن هجمات حركة "الشباب" الموالية لتنظيم "القاعدة". و احتلت جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2018م المرتبة الحادية عشرة في العالم من حيث تأثير الإرهاب، لكن تم إدراجها هذا العام بين أسوأ 10 دول، نتيجة تزايد أنشطة مجموعات إرهابية، مثل: تحالف القوات الديمقراطية، والجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا، وميليشيات ماي ماي. في عم 2017م، وقع 135 حادثًا إرهابيًّا في هذه الدولة المضطربة الواقعة في وسط إفريقيا، مما أسفر عن مقتل 410 أشخاص وإصابة 145 آخرين.

وعادة ما تميل الهجمات إلى التركيز على المنطقة القلقة في شرق البلاد، بالقرب من الحدود مع أوغندا ورواندا وبوروندي. ولعل أكثر أشكال الإرهاب شيوعًا في عام 2018 يتمثل في أخذ الرهائن والاعتداء المسلح، والتي شكلت نحو 84% من إجمالي الهجمات إن طبيعة منطقة غرب أفريقيا أدت إلى تيسير انتشار الجماعات الإرهابية والجرائم المنظمة من بلد لآخر، هذا فضلاً عن الحدود غير المنضبطة في منطقة وسط أفريقيا وشرقها، إذ يكفي القول إن دول الساحل والصحراء لا توجد بها قيود على حركة الأفراد، ولا رقابة على الحدود، ولا صعوبات في التنقل من مكان لآخر، فضلاً عن سهولة الحصول على إذن سفر وجنسية إحدى الدول الـ 15 بمنظمة إيكواس، وهي أمور كلها سهلت حركة المجموعات الجهادية المتطرفة، والتي بدأت بالأساس في الجزائر مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ثم انتقلت لكل من السودان وأفغانستان، لتعود مجدداً إلى حيث المنشأ، في جنوب الجزائر ولتتوغل في منطقة الساحل والصحراء التي أضحت من أكبر البؤر المفرغة للجهاديين في أفريقيا.

وأكد بعض المحللون أن مرحلة ما بعد "الثورات" العربية، خصوصاً ما حدث في ليبيا قاد إلى تصاعد أنشطة هذه التنظيمات، والتي تمكنت من نقل أسلحة مختلفة عقب سقوط نظام القذافي الذي كان جيشه من مرتزقة هربوا بعتادهم لدى الضربات الجوية الغربية ضد ليبيا، واستطاع المتطرفون عبر عمليات البيع والشراء والعلاقات القبلية، لاسيما من الطوارق، في استغلال هذه الأحداث لتحقيق أهدافهم في شمال مالي وغيرها. وبالمثل فإن جماعة بوكو حرام تستفيد من هذه الحدود المفتوحة كثيراً، لتتمكن من التنقل من بلد لآخر بمنتهى السهولة، كما أن للحركة أعضاء بارزين سابقين في مؤسسات الحكم النيجيرية، وتقيم علاقات قوية مع قبائل مختلفة، وتستغل عدم وجود مواطنة حقيقية ترعى فكرة احترام حقوق المسلمين وتعليمهم وهويتهم داخل نيجيريا لتنقلب من جماعة ثقافية إلى تنظيم إرهابي متطرف.

وما يعزز أنشطة الإرهاب والجريمة المنظمة في معظم مناطق أفريقيا، وخصوصاً في الساحل والصحراء، التمویل المالي للجماعات الإرهابیة وثمة انتقال مخيف لحركة أموال واسعة من دولة لأخرى ومن حسابات متعددة لا يمكن تتبعها بسهولة، ولهذا فمن السهل توفير تمويل كثيف للجماعات المتطرفة التي تمكن الكثير منها كذلك من السيطرة على حقوق للنفط أو مناجم للمعادن الثمينة وغيرها. ویعتقد بعض المحللین السیاسیین أن انتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء هو نتاج تضافر العديد من العوامل، من أبرزها تردي الأحوال المعيشية في الدول الأفريقية، والتدخل الأجنبي السافر في شؤون القارة، وانتشار الجماعات التبشيرية بشكل كثيف، وسهولة التنقل بين الدول وبعضها البعض، والاحتكاك بمجموعات جهادية كثيرة خارج الإقليم في أفغانستان والسودان وغيرهما، هذا علاوة على الطبيعة الداخلية، الاقتصادية والعرقية والقبلية، للعديد من الدول التي تشجع على إفراز تنظيمات متشددة، في كل من موريتانيا والجزائر ونيجيريا ومالي وبقية الدول المجاورة في الغرب والوسط.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات