أنواع الإرهاب الجدید

 

 

 

اضحت خطورة ظاهرة الارهاب واقعاً مفروضاً وليست حالة خاصة مؤقتة في زمن معین و ظهر الإرهاب دائمًا في كل حقبة وفي كل عصربشکل وعنوان یناسبان ذلك العصر ولكن أكثر أنواع الإرهاب حداثة تعود إلى القرنين العشرین والواحد والعشرین، وشهد العالم في العقدين الأخيرين أكثر العمليات الإرهابیة وحشیة ويدخل في هذا السياق مفهوم الإبادة الجماعية سواء أكانت إبادة كليّة أو جزئيّة، أو قتل أفراد أو مجموعة، وإخضاعها بصورة عمديّة لظروف حياة تؤدي إلى الإفناء الجسدي، و أضحى الإرهاب وسيلة من وسائل الإكراه والعنف المتفلّت من الضوابط والأعراف والقوانين كلّها، ومنتشرًا في أرجاء العالم بطوله وعرضه، لا وجود لديه لأهداف ثابتة ولا لقواعد متّفق عليها، كما لا ضوابط قانونية ولا أحكامًا ويتضمّن النشاط الإرهابي مواضيع: "التنظيم، التمويل، التخطيط، التحضير، التنفيذ، كما يرتبط بالتحريض والتعبئة من أجل ارتكاب الفعل الإرهابي، وتنظيم المجموعات والخلايا وتأليفها، وصولًا إلى المشاركة والإنتماء إلى هذه المجموعات".

إنّ تجنيد الأشخاص، والتسليح، وتدريب الإرهابيين، والمشاركة الإعلامية ترويجًا وتعبئة وتحريضًا، وتأسيس القاعدة الماديّة واللوجستيّة لتنفيذ العمل الإرهابي مباشرة أو بصورة غير مباشرة، هو في لبّ العمل الإرهابي مهما تنوّعت شعاراته. إنّ أخطر ما في هذه المشكلة هو وجود دول راعية للإرهاب الدولي، وقد بدأ إصدار القائمة في 29 كانون الأوّل 1979 حيث اتّهمت بعض الدول بدعمها للجماعات الإرهابية وتهريب الأسلحة، وتوفير غطاء لعمليات استخباراتية، وخلق حالة من عدم الاستقرار وزرع الإرهابيين ودعمهم، وتوفير الأسلحة والتدريب والتجهيز والتمويل إن قيام الدول الراعية للإرهاب بتحطيم اقتصاديات الدول الصغيرة من خلال ضرب وخلخلة الامن فيها، عبر تدريب وتهيئة الخلايا الارهابية الناشئة اساساً على ثقافة الدم والمتأثرة بالنصوص الدينية المتشددة. أحد تلك الأساليب الملتوية التي تقوم بها فقد حاولت بعض المجموعات استغلال البيئات المنعزلة المنغلقة للتوغّل والتسلّل، بالاعتماد على ممارسات وسلوكيات وتكتيكات التنظيمات المختلفة ومعارف الجهاديين وتجاربهم، بعد أن قاتلوا في أفغانستان والعراق وغيرهما، وهؤلاء تركوا بصماتهم في العالم .

وأكّد وزير الدفاع الأمريكي مارك اسبر أن مقتل البغدادي "يشكّل ضربة مدمّرة لفلول" تنظيم الدولة الإسلامية، وأشاد بقوّة من نحو مئة عنصر استقلت مروحيات إلى المجمع في منطقة إدلب في مهمة معقّدة کماأفاد مسؤول آخر في وزارة الدفاع (بنتاغون) أن جثّة البغدادي وضعت في البحر في مكان لم يفصح عنه، وهي الطريقة نفسها التي تخلّص بها الأمريكيون من جثة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بعد مقتله عام 2011 على يد قوات أمريكية خاصة في باكستان. ففي الماضي غير البعيد ، كانت القاعدة وبن لادن فخورين بقيادة العمليات الإرهابية ، وبعد عشر سنوات ، كشف أبو بكر البغدادي عن نموذج جديد للإرهاب مع الإبادة الجماعية الأكثر عنفا في العالم ليس هناك شك في أن داعش بُني على تدمير القاعدة وقدم نموذجًا جديدًا للإرهاب ، ومن غير البعید أن يتم بناء نموذج جديد للإرهاب في المستقبل على تراب ورماد داعش ، والمنظمة التي يجب أن تدير الإرهاب الحديث ، ستکون مبنیة علی أسس معقدة وقویة .

وهذا يعني أن الإرهاب بهدف التعددية والعولمة يتغير ويتطور ضد المجتمعات البشرية والقضية المهمة التي لفتت انتباه علماء السياسة هي لماذا قُتل بن لادن وبغداد على أيدي القوات الأمريكية فقط في أوقات معينة قبل الإنتخابات ؟ فقد لفت توقيت عملية الاغتيال الانتباه، فقد جاء بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من شمال سوريا وجاء أيضا في سياق داخلي خاص يتميز بتصاعد الضغط على ترامب وقرب الانتخابات الرئاسية وأعاد البعض التذكير بظروف وملابسات اغتيال اثنين من "رفاق" أو شيوخ البغدادي هما أبو مصعب الزرقاوي وأسامة بن لادن فقد اغتيل زعيم جماعة التوحيد والجهاد الأردني (الزرقاوي) قبيل أقل من سنتين على نهاية للدورة الثانية للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، واستخدم الأخير تلك العملية كثيرا في استقطاب الأراء وتحقیق إنجاز على مستوى الحرب على الإرهاب ثم جاء قتل بن لادن في مايو/أيار 2011 قبيل شهور من إعلان باراك أوباما ترشحه للدورة الثانية، واستخدم الإنجاز ذاته بقوة في حملته الانتخابية ويأتي قتل البغدادي قبل نحو عام من الانتخابات الأميركية التي سيترشح ترامب فيها لدورة رئاسیة جديدة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام المقبل .

لكن الأميركيين يدعون أن لديهم أحدث برامج المعلومات واکتشاف الأسرار عبر الأقمار الصناعية لا یُعرف حتى الآن من هي الجهة التي كان لها الدور الأول والأبرز في تحديد موقع البغدادي، ولم تقدم الإدارة الأميركية حتى الآن أي معطيات بشأن هذه القضية ولكن مع الدعاية الإعلامية الواسعة النطاق ، فإنهم ممتنون للمساعدة الاستخباراتية من البلدان الأخرى لإبلاغ الإرهابيين بمكان وجودهم ومع تطور وسائل الإعلام والتکنولوجیا المتقدمة لم یعد یخفی علی شعوب العالم أن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وما يماثله من جماعات متطرفة هم من نتاج الدول الغربية وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمریکیة .

وفجّرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، في کتابها ( خیارات صعبة ) عندما اعترفت بأن الإدارة الأمريكية قامت بتأسيس ما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف باسم “داعش” لتقسيم منطقة الشرق الأوسط. کما أدلت وزير الخارجية الأمريكية السابقة بتصريحات کشفت فیها أن الولايات المتحدة تحملت التكاليف المالية وتكاليف الأسلحة لتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة ومن المؤکد أن الولایات المتحدة الأمریکیة تعاونت مع هذه الجماعات وقدمت لها ما تحتاجه من الدعم العسکري واللوجیستي لكن مع انتهاء تاريخ صلاحيتها ، قضت علی مؤسسها لمنع کشف أي معلومات تثبت تورطها معها .

خلاصة القول هي أنه وفقاً للأمريكيين ، فإن جثة أبو بكر البغدادي كانت تستغل أيضًا كقرش بن لادن ، لكن ما هو غير معروف في المستقبل هو الأسلوب الجديد للإرهاب وتعيينه ان مقتل البغدادي لن يؤثر كثيرا على تنظيم الدولة الإسلامية، "فالرجل لم يكُن القائد الذي يُدير شُؤون مُنظّمته، وإنّما مُجرّد واجهة أو رمز، وإذا كان هذا هو حاله عندما كان زعيما لدولة يزيد تعداد مواطنيها على سبعة ملايين مواطن ومساحتها 240 ألف كيلومترا مربعا، فكيف سيكون حاله الآن بعد انهيار هذه الدولة، وتشتيت عناصرها، وتدمير عاصمتها الأولى 'الرقّة' في سورية، والثانية 'الموصل' في العراق، وفرار معظم مقاتليها وأسر حوالي 13 ألفا منهم؟" التقصي والتحليل يُشيران إلى أن "داعش" لن ينتهي بمقتل خليفته البغدادي، وهو قادر على تصنيع قيادات جديدة دون الصخب الذي أحدثه البغدادي حين وليَّ خليفة وزعيما، والأرجح أن "داعش" الذي یكشف تقديرات استخبارية أنه يملك ما يزيد عن 300 مليون دولار قادر على الحركة والاستمراروقادر علی خلق إرهاب جدید .


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات