الإرهاب الأبيض المسكوت عنه

لقد دأب السياسيون الأمريكيون المحافظون على السكوت على الإرهاب المحلي الذي يمارسه اليمين العنصري لأن المتطرفين البيض هم القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.

فتح الهجوم الدامي على مسجدين في نيوزيلندا ملف الإرهاب الذي يمارسه اليمين المتطرف في دول الغرب، وكشفت الجريمة المروعة التي قام بها متطرف أسترالي أبيض ضد مسلمين مسالمين يصلون الجمعة عن حالة العداء الأعمى وترهيب المسلمين، بزعم الحفاظ على سيادة الرجل الأبيض ومنع المهاجرين من العيش في أرض البيض!

إن فكرة التفوق العرقي للرجل الأبيض فكرة شيطانية، فإبليس هو الذي قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"، وكل البشر من أب واحد وأم واحدة، وقول مرتكب جريمة نيوزيلندا الإرهابية أن المهاجرين غزاة يفسدون النقاء العرقي كلام غير منطقي لأن البيض مهاجرون وغزاة استولوا على أرض غيرهم وقتلوا سكانها الأصليين.

اليمين المتطرف ينتشر في أوربا ولكنه موجود بشكل أساسي في دول المحور الأنجلوساكسوني البروتستانتي الذي يهيمن على العالم منذ قرنين، والذي يتكون من خمس دول هي بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويملك هذا المحور أكبر جهاز تجسس في العالم اسمه إيشلون Echelon أو العيون الخمسةFive Eyes ، استنادا إلى اتفاقية UKUSA التي تم توقيعها في العام 1947، وتشهد هذه الدول الخمس تنامي هذه المجموعات التي تمارس الإرهاب ضد كل الأجناس لفرض سيادتهم العرقية.

ترمب وتصاعد اليمين

المحور الأنجلوساكسوني البروتستانتي كحلف استراتيجي يقوم على العرق والمذهب الديني، لكن بالتأكيد ليست أغلبية المجتمعات في هذه الدول تؤيد هذا التطرف، كما أن حكومات هذه الدول أيضا - باستثناء ترامب الذي يمثل هذا التيار - لا تؤيد هذا التوجه العدواني، ومن باب الإنصاف فإن السياسات والقوانين في كندا وبريطانيا واستراليا ونيوزيلندا تتعامل باحترام مع المسلمين - بدرجات متفاوتة-  باعتبارهم من مكونات المجتمع.

في أمريكا قام هذا التيار العنصري بالكثير من الممارسات الدموية عبر الحقب التاريخية المختلفة، إلا أن تغير الظروف العالمية وقوة الإعلام، وتكاتف الأقليات قلل من حجم الغلو والكراهية تجاه الآخرين المحليين، خاصة مع التراجع العددي أمام باقي الأعراق التي تقطن الولايات المتحدة، من الأغلبية منذ التأسيس حتى العقد الماضي إلى أقل من نصف السكان في الوقت الحالي (البيض البروتستانت  46.5% ).

يمثل ترمب رؤية هذا التيار المتطرف، فهو جاء بأصوات اليمين الأمريكي وتبنى الكثير من مطالبهم، ويكفي لتأكيد توجهه أنه عين ستيف بانون أحد رموز هذا التيار في منصب المستشار الاستراتيجي للبيت الأبيض مما عرضه للانتقاد من شرائح واسعة من النخبة الأمريكية حتى داخل حزبه من السياسيين الذين لا يوافقون على كل أفكار الجماعات اليمينية.

ويعد بناء الجدار على الحدود مع المكسيك أبرز مطالب جماعات البيض المتطرفين الذين يرون أن قدوم المهاجرين يهدد أمريكا وينهي سيطرتهم على بلادهم ويضعف العرق الأبيض، وهذا الجدار الذي التزم به ترمب لناخبيه كان السبب في الصدع والانقسام الذي حدث في الكونغرس بين الجمهورين والديموقراطيين وتسبب في تعطيل الحكومة وإعلان حالة الطواريء.

لقد دأب السياسيون الأمريكيون المحافظون على السكوت على الإرهاب المحلي الذي يمارسه اليمين العنصري لأن المتطرفين البيض هم القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري، فالشعور بتفوق العرق الأنجلو ساكسوني الأبيض الإنجيلي ليست عقيدة مجموعات معزولة وإنما تمثل عقيدة الدوائر التي تحكم أمريكا منذ تأسيسها.

الإرهاب ليس إسلاميا

هناك تناقض واضح في كل ما يثار حول الإرهاب؛ فالتركيز فقط على العمليات التي يقوم بها مسلمون وتجاهل تام للهجمات التي يقوم بها المتطرفون البيض، وهناك إصرار على إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام رغم أن الأديان لا تتحمل ممارسات بعض أتباعها، وإلا فإنه باستخدام هذا المنطق يمكن اتهام المسيحية بكل أوزار الحروب الصليبية والحملات الاستعمارية والحروب الاستباقية وما نراه اليوم من جرائم الكراهية ضد المسلمين وغيرهم في أمريكا وأوربا وأخيرا في استراليا ونيوزيلندا.

في التقرير السنوي عن الإرهاب العالمي الذي يصدره الاتحاد الوطني لدراسة الإرهاب والاستجابات للإرهاب المعروف باسم START التابع لجامعة ميريلاند فإن عام 2017 شهد 10.900 عملية إرهابية في أنحاء العالم، أسفرت عن قتل 26.400 شخص وهو رقم أقل عن عام 2014 الذي شهد 17000 هجوم إرهابي أسفر عن قتل 45 ألف قتيل.

الملاحظة الأهم على كل التقارير والمواقف حول الإرهاب العالمي هي إدخال ما يحدث في المناطق الإسلامية المحتلة التي تعاني من الحروب ضمن إحصاءات العمليات الإرهابية لتضخيم الأرقام المرتبطة بالإسلام.

يقول مركز START الذي ينشر قاعدة بيانات الإرهاب العالمي التي تعتمد عليها المراكز البحثية الغربية أن أكثر من نصف الهجمات الإرهابية وقعت في أربع دول: العراق (23٪) ، أفغانستان (13٪) ، الهند (9٪) ، وباكستان (7٪). ووقع أكثر من نصف الوفيات في ثلاثة بلدان: العراق (24٪) ، أفغانستان (23٪) ، وسوريا (8٪)، وأشار تقرير للمركز إلى أن أكبر هجوم إرهابي في عام 2017 وقع في أكتوبر في العاصمة الصومالية مقديشو حيث تم تفجير فندق مات فيه 580 شخصا وأصيب 300.

هذه الأرقام توضح الخلط وعدم الدقة في تناول الملف كله، فهناك تعمد لتضخيم الأرقام المرتبطة بالعالم الإسلامي لتأكيد الاتهام الغربي للإسلام، وهم لا يفرقون بين ممارسة الإرهاب والمقاومة ضد الاحتلال، فالعراق وسوريا وأفغانستان دول محتلة تنتشر بها جيوش أجنبية تمارس القتل بالقنابل والصواريخ، وما يجري فيها حرب بين جيوش غازية وشعوب رافضة لهذا الوجود الأجنبي، ونفس الأمر في الهند وباكستان حيث معظم الهجمات التي تتضمنها تقارير الإرهاب تحدث في الشطر الذي تسيطر عليه الهند من كشمير ، أي أن هناك وجودا أجنبيا عسكريا يواجه مقاومة وطنية وحركات تحرر، ونفس الأمر في الصومال التي تدخلت فيها الولايات المتحدة وعينت حكومة بدعم عسكري خارجي. 

لقد أثبتت قاعدة بيانات الإرهاب الأمريكية أن نسبة الجرائم المنسوبة لمتهمين مسلمين لا تزيد عن 12.5% وأن الإرهابيين البيض ارتكبوا معظم الهجمات الإرهابية التي وقعت في أمريكا على غير ما يصوره الإعلام الغربي، الذي يتهم المسلمين فور حدوث الجرائم ثم يسكت عندما يتبين أن المجرم أمريكي أبيض.

***

لعل ما حدث في نيوزيلندا يساعد في إعادة النظر في المعالجة السياسية والإعلامية لموضوع الإرهاب وتحويل الاتجاه إلى بناء تحالف دولي للتصدي لإرهاب اليمين الأبيض المحمي من قادة ونخب، ومحاصرة الكراهية والعنصرية المسلحة.

نتمنى أن تتوقف الدول العربية عن المشاركة في الأجندة الصهيونية التي تشوه صورة الإسلام وتربط الإرهاب بالمسلمين، وليتوقف استخدام فزاعة الإرهاب ضد الخصوم السياسيين من جماعات ودول حتى لا نعطي الفرصة للإرهابيين الحقيقيين للهروب من الإدانة، واستمرار ابتزازنا واستنزاف أموالنا وأرواحنا.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات