نعم، تعمّد الشيوخ والأئمّة التقصير في مكافحة الإرهاب.. الفكر الوهابي مشروع تخريبي

وللإجابة عن السؤال المطروح في العنوان هل تعمّد الشيوخ والأئمة التقصير في مواجهة الإرهاب ؟ نصرّح أنّه نعم حين هجم الفكر الوهابي السلفي على البلاد في إطار مشروع

تخريبي لا زلنا نعاني ويلاته.

نعم ..قصّروا …حين لم تستجب الدعوات المتلاحقة من أجل التحييد الفعلي للمساجد …ولم يمنع كلّ السياسيين والمسؤولين في الأحزاب من إعتلاء منابر الجوامع خلال الخطب الجمعية أو صلاة العيدين أو إلقاء دروس في المساجد في رمضان.

نعم ..قصّروا ..بإعتلاء المنابر دون الحصول على وثيقة رسمية المعروفة بقرار التسمية وإجراء الإختبارات اللازمة وتوفر الشروط القانونية وتقديم الملف الإداري المنصوص عليه في الضوابط الإجرائية المتعلقة بإنتداب الأئمة الخطباء.

نعم …حين سمحوا لأدعياء العلم وشيوخ « الكردونة » سواء من التونسيين الذين لا معرفة علمية لهم ولا ترخيص قانوني بأيديهم وكذلك من الوافدين من الخارج «شيوخ الفتن» ممن كثر ضجيجهم وصياحهم في بدايات الثورة ولم نر لهم طحينا ..بل رأينا فتنة وقضايا هامشية وخلافات وانشقاقات بين التونسيين وهم في إحتياج دائم للوحدة.

نعم .. حين كان وزير حكومة الترويكا نورالدين الخادمي يشجّع أئمة حزبه لتوظيف منابر المساجد في حملاتهم الانتخابية…عبر مئات قرارات التسمية مجاملتية التي وزّعها على المختصّين في الخوض في الشؤون الحزبية الضيقة..والإنحياز الأعمى والميولات المفضوحة.

نعم …حين حوّلوا المساجد عن المهمات الكبرى الموكولة لها فبدل أن تكون منابر دعوية موجهة لهداية الناس، وتعميق الإيمان والتقوى في نفوسهم، وتنمية روح العمل والإخلاص… تحوّلت قصدا إلى فضاء تنقل فيها الخلافات الحزبية، والفكرية والفقهية، والشخصية أحياناً، ليشغلوا بال المصلين بقضايا هامشية، أو شكلية، أو اجتهادية، أو شخصية، وليزرعوا في نفوسهم الإحباط واليأس ..وزرع النقمة على الخصوم وتؤول الأمور إلى ما لاتحمد عقباه ..وكان ذلك ما حدث فعلا.

نعم ..حين وصلنا مرحلة لم نكن ندري مساجدنا بين أيدي من؟..حين عمّت أغلبها الفوضى فبعضها حافظ على إطاراته ونظامه وكأنّ شيئا لم يكن وأغلبها إحتلتها مجموعات وتقاسموها فيما بينهم يتصرّفون داخلها بسلوكيات لا تحترم بيوت الله ويغيّرون من طرق التعبد ويهاجمون رواد بيوت الله حدّ تكفيرهم والحكايات عن هذه الجماعات لا تكاد تخلو منها مدينة وجامع في كامل البلاد…فازدادت بهذه الجماعات بواعث الفتنة والفرقة والإختلافات المذهبية …وأصبحت المساجد منابر للدعايات السياسة وفضاءات التعبئة والحملات الإنتخابية ..ومرابض العراك والخصومات المجانية ..في حين أنّها في الأصل بوتقة تنضج فيها الأخلاق، بوتقة تنضج فيها مشاعر الود والرحمة، بوتقة تنضج فيها مبادئ المساواة والعدل،

بوتقة تنضج فيها الوحدة، وانظروا إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هل تلاقت فيما بينهم مشاعر الود إلا في المسجد؟ هل صفت قلوبهم من فوارق القومية والعصبية والعرقية وما إلى ذلك إلا في المسجد؟ هل عاشوا جسداً واحداً وقلباً واحداً ينبض بشعور واحد إلا في المسجد؟

نعم ..حين لم يعتبروا الجوامع والمساجد ملكا عموميا توضع تحت تصرف المجموعة الوطنية دون استثناء أو شرط فهي مؤسسات حكومية ومعالم رسمية تخضع لقرارات ترسيم وتتبع إداريا وزارة الشؤون الدينية كذلك بالنسبة لكل إطاراتها من القائمين بشؤون البيت والمؤذنين وأئمة الخمس والأئمة الخطباء وبالتالي لا يجب البتة أن تبقى بيوت الله تحت تصرف أشخاص أو شيوخ أو أحزاب أو مجموعات أو نفر من المصلين دون الخضوع لنواميس القانون والمؤسسات

نعم …. حين لم يعرف من إعتلى المنبر أن إعتلاء منبر النبى صلى الله عليه وسلم مسؤولية ثقيلة ينبغى أن يستشعروها، فتخفق قلوبهم عند إرتقاء درجاته، وترتعد فرائصُهم عند التفكير فى ثقل أمانته، وتكون ألسنتهم من وراء قلوبهم عند إلقاء الخطب، حتى لا تلهث قلوبهم وراء ألسنتهم . فلا يمكن أن تتحول المنابر إلى لعبة وتتحول الجوامع إلى حلب الصراعات .. فلا يجعل منبر النبى صلى الله عليه وسلم جزءاً من التنافسات السياسية، فتُفقِدوها مصداقيتها . و لا يعني هذا أننا ندعو إلى عزل المنبر عن الحياة، فمهمّة منبر النبى صلى الله عليه وآله وسلم ترشيد الحياة، لكن هذا الترشيد يفقد مصداقيته إذا أصبح جزءاً من لعبة التنافس على الحكم

نعم …حين سمح بترؤس الجهّال فإن من أعظم ما تبتلى به الأمة، ويفرّق كلمتها، ويشتّت صفّها أن يتصدّى لإرشاد الناس ، ودعوتهم ، وتعليمهم أمور دينهم من لم يكن من الراسخين في العلم ، أو كان صاحب هوى وبدعة ؛ لأن مثل هذا يفسد أكثر مما يصلح. أخرج البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاص قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول : إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتزِاعاً يَنتزِعُهُ من العِبادِ، ولكنْ يَقبِضُ العِلمَ بقَبض العُلماءِ، حتى إِذا لم يُبقِ عالماً اتخذَ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً فسُئلوا فأفْتَوا بغير علمِ فضلُّوا وأضَلُّوا.

نعم …حين غيّبوا عن التونسيين مقاصد الشرع ومرامي النصوص وإتّبعوا المتشابه من نصوص الكتاب والسنة فضلال كثير من أصحاب الغلو، وانحرافهم كان بسبب ردّهم

للمحكمات من النصوص ، وأخذهم بالمتشابهات وحين إعتمدوا الأخذ ببعض الأدلة

وترك ما سواها مع عدم النظر إلى مآلات الأفعال

نعم … حين بقينا دون ضبط مشروع إصلاحي كبير يعتني ببيوت الله من حيث تنظيمها وهيكلتها وهذا لا سبيل لبلوغه إلاّ بإصلاح حال الأئمة الخطباء فهم عمدة بيوت الله وهم أهل التأثير في المصلّين .. وهنا نأتي إلى المسألة الأهم وهي مسألة إختيار الأئمة الخطباء وتوظيفهم ..فعملية الإختيار للخطباء بالطريقة الحالية تحتاج إلى كثير من المراجعات فرغم تحرّي الوعاظ والتدقيق في الجانب الأخلاقي للمترشح والجانب العلمي بإجراء الاختبارات فإن العملية تبدو غير مجدية بالقدر الكافي. وأحسب أنه أمام العدد الضخم للمساجد -5000 جامع ومسجد – وأمام الإحتياج الكبير لإنقاذ الشأن الديني بحلول جذرية لا حلول ترقيعية مؤقتة وأمام ضرورة التشبث بالعقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتربية الجنيدية والمناهج العلمية الزيتونية التونسية.

نحن بحاجة أكيدة اليوم إلى ضبط مشروع إصلاحي كبير يعتني ببيوت الله من حيث تنظيمها وهيكلتها واحسب أن اوكد الحاجات هي المسارعة بإنشاء « المدرسة الوطنية لتخريج الأئمة » ..على غرار المعاهد والمدارس العليا والوطنية لتخريج المهندسين والأطباء والقضاة ..فلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء …وأحسب أنه يتحتم التفكير منذ الآن في إعداد مشاريع قوانين تخول للأئمة أن يكونوا إطارات في الوظيفة العمومية أجورهم محترمة على غرار الأساتذة ولهم حقوقهم كاملة، ففكرة إنشاء المدرسة الوطنية لتخريج الأئمة تهدف أولا وبالذات إلى السعي لتخريج أئمة خطباء يعتلون المنابر الجمعية والمنتديات ويمثلون تونس عند جالياتنا المهاجرة – وعددها لا يستهان به – وبهم يعوّض الأئمة المباشرون حاليا على مراحل وتكون فعلا مساجدنا منارات علم ومعرفة يسيّرها أهل التخصّص والكفاءة.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات