ملف منظمة خلق ... آخر الدواء الكي

ماعرضته قناة "العراقية" الفضائية الرسمية وقنوات تلفازية اخرى الاسبوع الماضي من مشاهد تصور ضباط وجنود عراقيين مصابين جراء مواجهات مع عناصر منظمة مايسمى بـ"مجاهدي خلق" الايرانية في معسكر "أشرف" (100 كم شرق بغداد)، جاء ليؤكد ويثبت بديهية لا تحتمل كثيرا من البحث والجدل والنقاش، الا وهي ان بقاء وجود هذه المنظمة على الاراضي العراقية يمثل اشكالية حقيقية لا امام مسيرة وواقع العلاقات بين بغداد ومحيطها الاقليمي فحسب، وانما على الصعيد الداخلي ايضا.

وما فجر الموقف هذه المرة هو بحد ذاته يستحق وقفة طويلة ومعالجة حقيقية، اذ ان غير المعروف للكثيرين ان معسكر "أشرف" الذي يقطنه حوالي ثلاثة الاف وخمسمائة شخص من عناصر "منظمة خلق" مع عوائلهم حاليا، يمتد على مساحة تبلغ ستة وثلاثين الف مترا مربعا، والجزء الاكبر من تلك الاراضي يعود ملكيته الى مزارعين عراقيين من ابناء محافظة ديالى كان نظام صدام قد صاردها منهم ومنحها لعناصر "منظمة خلق" في التسعينات لتوسيع رقعة تواجدهم، وبسبب المطالبات والشكاوى المتكررة بادرت القوات العراقية الى اتخاذ اجراءات عملية لاعادة تلك الاراضي لاصحابها وتقليص مساحة المعسكر بما يتناسب مع عدد افراده.

وقد واجهت عناصر المنظمة افراد القوات العراقية بالاسلحة التي تمتلكها، مما تسبب بوقوع ضحايا واصابات، وبحسب مصادر وزارة الدفاع العراقية فأن الاشتباكات تسببت بسقوط ثلاثة وثلاثين من عناصر المنظمة معظمهم كانوا من الراغبين بالعودة الى ايران، علما ان القوات العراقية لم تستخدم سوى الهراوات.

وقد حاولت المنظمة التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقرا لقياداتها ان تخلق اجواء ضد الحكومة العراقية بأدعائها ان الاخيرة اوعزت لقواتها بارتكاب مجزرة دموية في المعسكر، لتستدر عطف وتأييد الاوساط الاوربية والغربية على وجه العموم.

وكانت اخطر موجة مواجهات واشتباكات في معكسر "أشرف" قد وقعت بين القوات العراقية وعناصر المنظمة صيف العام 2009، حينما دخلت تشكيلات من قوات الجيش والشرطة العراقيين الى المعسكر لتنفيذ قرار يقضي باستلام مسؤولية الاشراف والحماية للقوات العراقية بدلا من القوات الاميركية، الامر الذي أثار حفيظة قيادات وكوادر المنظمة الى الحد الذي دفعها للجوء الى القوة المسلحة والحاق اصابات بعدد من عناصر الشرطة العراقية في حينه واحراق وتمزيق العلم العراقي.

وكان من الطبيعي جدا ان تأخذ احداث صيف عام 2009 في معسكر "أشرف" ابعادا اكثر حساسية وخطورة من المرات السابقة، اذ وضعت الحكومة العراقية امام خيار واحد لا بديل له، الا وهو حتمية اخراج المنظمة من العراق، استنادا الى قرار اتخذه مجلس الحكم العراقي المنحل في اواخر عام 2003 يقضي بكل وضوح وصراحة بأنهاء أي وجود لتلك المنظمة في العراق.

وقد نص قرار مجلس الحكم الذي صدر في التاسع من شهر كانون الاول/ ديسمبر 2003 ، اي خلال فترة الرئاسة الدورية للراحل السيد عبد العزيز الحكيم على مايلي:

"1ـ طرد عناصر "منظمة مجاهدي خلق" الارهابية من الاراضي العراقية وخلال فترة اقصاها نهاية العام الحالي (أي عام 2003) .

2ـ إقفال مقرات "منظمة مجاهدي خلق" الارهابية ومنعهم من ممارسة اي نشاط لحين مغادرتهم.

3ـ مصادرة اموال المنظمة واسلحتها وضمها الى صندوق التعويضات.

وكانت المحكمة الجنائية العراقية العليا قد اعلنت اواخر شهر كانون الثاني/ يناير الماضي أنها تحقق حاليا بالدعاوى المقدمة ضد منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية والمتعلقة بمشاركتها بقمع الانتفاضة الشعبانية التي قام بها الشعب العراقي في عام 1991.

واشار المتحدث باسم المحكمة القاضي محمد عبد الصاحب "المحكمة تتعامل مع الدعاوى المقدمة وفقا للأدلة المتوفرة، وانها تعمل وفق ما ينص عليه الدستور العراقي".

ناهيك عن ذلك فان هناك وثائق وارقام دامغة عن دور "منظمة خلق" في عمليات الانفال سئة الصيت ضد الاكراد في شمال العراق آواخر الثمانينات، ودورها في مختلف العمليات القمعية التي نفذها نظام صدام ضد العراقيين، حتى باتت تلك المنظمة لاتختلف بشيء عن اي جهاز امني تابع لذلك النظام.

وبعد الاطاحة بنظام صدام استفادت المنظمة من الحصانة والحماية التي وفرتها لها الولايات المتحدة الاميركية وراحت تتعامل مع بقايا حزب البعث المنحل وتنظيمات القاعدة لتكون احد ادوات الارهاب في العراق.

وتشير بعض المصادر المطلعة الى ان تواجد "منظمة خلق" لا يقتصر على معسكر "اشرف" فقط، بل ان هناك معسكرات اخرى وان كانت اصغر من معسكر "أشرف"، وهي:

ـ معسكر "نزالي"، ويبعد 40 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، و120 كيلومتراً شمال شرق بغداد.

ـ معسكر "فايزي"، ويقع في محافظة واسط.

ـ معسكر "يونياد علافي"، ويقع بالقرب من قضاء المقدادية التابع لمحافظة بعقوبة.

وتجدر الاشارة الى ان هناك مقرات ومجمعات سكنية عديدة في داخل مناطق مهمة وحيوية من العاصمة بغداد كانت مخصصة لعناصر منظمة خلق وعوائلهم حتى سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003.

ويبدو ان الاحداث الاخيرة ستكون القشة التي ستقضم ظهر البعيرـ كما يقولون ـ فقد دفعت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي الى اتخاذ قرار يقضي بإنهاء تواجد المنظمة في البلاد قبل نهاية العام الحالي باعتبارها منظمة إرهابية وشاركت بقتل العراقيين.

ومع عدم وضوح مدى امكانية وضع هذا القرار موضع التطبيق العملي وسط اوضاع سياسية داخلية تشهد الكثير من التقاطعات والتجاذبات، وفي خضم ضغوطات خارجية قوية، الا ان كثير من الظروف الموضوعية تبلورت واخذت تتبلور باتجاه عملية حسم واغلاق ذلك الملف، ويبدو ان عناصر المنظمة باتوا يدركون هذا الامر، وهو ما جعل عدد عير قليل منهم يقررون العودة الى بلادهم، واخرين يبحثون عن مأوى لهم في البلدان الغربية بصفة لجوء سياسي او لجوء انساني.

في ذات الوقت فان قناعة لدى معظم القوى والفاعليات السياسية العراقية اخذت تترسخ بان آخر الدواء الكي لاغلاق ملف "منظمة خلق"... وعبارة آخر الدواء الكي تعني الشيء الكثير.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات