معسكر أشرف؛ شغف أوروبي ونفاق سياسي

 

بقلم : بدور زكي محمد

لم أكن أنوي الكتابة ثانية عن معسكر أشرف لمجاهدي خلق (80 كم شمالي بغداد) بهذه العجالة، لولا إني قرأت مقالاً لأحد كتاب الرأي في إيلاف، ينتقد فيه بعض ما ورد في مقالي عن هذا الموضوع، الذي نشر بالموقع نفسه.

وللرد عليه أقدم بعض الأفكار التي اعتقد ان لا غنى عنها في اي مقاربة للإشكالية المستعصية بين عناصر أشرف من جهة، وغالبية الشعب العراقي والحكومة من جهة اخرى.

إن اهتمام الاتحاد الاوروبي بمنظمة مجاهدي خلق قديم منذ سنوات معارضتها لنظام الشاه واستهدافها لمصالح غربية بوصف دول اوروبا والولايات المتحدة كجهات داعمة لهذا النظام، وعلى خلفية الاغتيالات التي تورطت بها لعسكريين اميركيين في ايران، وغير ذلك. وكان الاتحاد قد ادرجها في قائمة المنظمات الارهابية، الا ان الظروف السياسية تغيرت ولكون قيادة المنظمة قد استقرت في فرنسا ولم تعد تمارس اي عمليات استفزازية في اوروبا، ولما ابدته من حراك وحيوية في التواصل مع السياسيين الاوروبيين، فقد حكمت محكمة العدل الاوروبية في نوفمبر من العام 2008 بإلغاء قرار سابق للاتحاد الاوروبي كان يقضي بتجميد اموال(خلق)، ثم تلاه في العام 2009 قرار آخر برفع اسم هذه المنظمة من قائمة الارهاب. وكل هذا التطور لم يكن بمعزل عن الرغبة الاميركية في تنشيط معسكر اشرف واستغلاله في التعاطي مع النفوذ الايراني في العراق، ولاجل ذلك فسحت المجال امام عناصره للاتصال بالبرلمانيين الاوربيين واجهزة المخابرات الاميركية والاوروبية، ومما قيل في اسباب حظوة مجاهدي خلق لدى الغرب، انهم اسهموا في تقديم معلومات عن البرنامج النووي الايراني. ولا غنى في هذا المجال من الاشارة الى ان قرار محكمة العدل الاوروبية ماكان ليصدر بهذه الكيفية لو ان حكومة العراق قامت بواجبها تجاه شعبها وقدمت مالديها من وثائق وشهادات المتضررين من عوائل الضحايا الذين سقطوا بنيران عناصر اشرف في التسعينيات. وفي جميع الاحوال فان القرار الاوروبي يلزم دول الاتحاد الاوروبي ولا يلزم العراق.

هناك سؤال ملح، ليس من باب المقارنة ولكن لتوضيح المواقف: إذا كان الاتحاد الاوروبي حريصاً على سلامة 3.400 عنصر من مجاهدي خلق في اشرف ويعتبرهم "لاجئين" محميين بمعاهدة جنيف الرابعة- على الرغم من كونهم قد شكلوا جزءا من الآلة العسكرية لنظام صدام- فلماذا لم يحرك ساكنا لمساعدة عشرات الالوف من الصحراويين من لاجئي مخيمات تندوف في الجزائر(165 الف حسب الرواية الجزائرية و 90 الف حسب المفوضية العليا للاجئين)، الذين توافدوا منذ السبعينيات ويعانون من شظف العيش في الصحراء، ومن متاجرة المسؤولين عن ادارة مخيماتهم بالمساعدات الدولية التي ترسل اليهم، من جزائريين وبوليساريون؟ السؤال موجه ايضا الى رئيس اللجنة العربية الاسلامية للدفاع عن اشرف، رئيس الوزراء الجزائري الأسبق، سيد أحمد غزالي، لماذا لم يتدخل لرفع الظلم عن لاجئي تندوف، وهم اقرب اليه من الأشرفيين في العراق؟ وهل كانت حكومة الجزائر لتقبل ان تستضيف ألوف الصحراويين على بعد ثمانين كيلومتر من عاصمتها، وتسمح لهم بان يستضيفوا أقطاب المعارضة في مخيماتهم ويعقدون المؤتمرات ويصدرون البيانات المنددة بالحكومة، ويمنعون مسؤوليها من الدخول الى مناطقهم، كما يفعل سكان أشرف في العراق؟ إن موقف الاتحاد الاوروبي من هذه القضية يتسم بالنفاق، فهو لا يثير الاهتمام بها لأنه يحرص على استقرار علاقته بكل من المغرب والجزائر، الدولتين المتنازعتين بشأن ملف الصحراء.

فيما يجري الاحتجاج باتفاقية جنيف الرابعة الصادرة في العام 1949 (المتعلقة بحماية المدنيين أثناء الحرب)، يهمل الاتحاد الاوروبي ان مجاهدي اشرف قد فقدوا صفتهم الاولى كلاجئين حين ساهموا بفاعلية في المجهود الحربي الى جانب الجيش العراقي والقوات الخاصة ضد الجيش الايراني، واسهموا في قمع انتفاضة المواطنين في عدد من المحافظات العراقية، شمالاً وجنوباً. صحيح ان هذه الاتفاقية ترتب حقوقا للاجئين، لكن يقابلها التزامهم بمراعاة نظم الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها او ممارسة اي نشاطات سياسية، وهذا ما لم يلتزم به الاشرفيون، وكان البرلماني الاوروبي الذي زار العراق مؤخرا قد عبر بصدق عن واقع ما يشعر به شاغلو معسكر أشرف، حين قال: "أتمنّى أن أكون قادرًا على تقديم إقتراح نهائي للحل طويل المدى لأزمة أشرف إلى مريم رجوي وسكان أشرف.. وحيث سيكون أمرًا صعبًا الحصول على موافقتهم على الإقتراح الذي ينهي بشكل مؤثرعلاقتهم منذ عقود مع أشرف الذي يعتبرونه بيتهم". نعم انهم يتصرفون وكأن أرض اشرف هي مسقط رأسهم!!

من المثير للعجب الحديث عن وجود ألف امرأة ايرانية في أشرف، أوليس قيادة المجاهدين هناك أكثرها من النساء؟ هل يريد المتعاطفون مع أشرف ان يقنعونا بان منتسبات المعسكر نساء مستضعفات وربات بيوت جلبهن ازواجهن لإعداد الطعام؟ ألسن مقاتلات مدربات منذ زمن طويل؟ ثم كيف اصبحت مريم رجوي رئيسة لجمهورية ايران في فرنسا لولا هذا الجهد النسائي المتميز في إطار منظمة خلق؟

ومما تناقلته اوساط المدافعين عن اشرف، نقلاً عن النائب العراقي اياد جمال الدين بانه فحص كل الوثائق فلم يجد اية اشارة تدين مجاهدي خلق في العراق!! واتساءل إن صح النقل، كيف تاتى له ذلك واكثر من نصف الارشيف العراقي في واشنطن، فضلا عما احرق منه على يد البعثيين في المكتبة الوطنية، ان مثل هذا الفحص يقتضي فريقا كبيرا من الباحثين وليس جهداً فردياً. وعلى كل حال تبقى صادقة شهادات الناس المتضررين وبعضهم مازال حياً. ولو رغب الاتحاد الاوروبي بمعرفة الحقيقة لدقق على سبيل المثال في دور عناصر اشرف اثناء المواجهات بين القوات العراقية والمنتفضين في قضاء طوزخورماتو الشمالي، في العام 1991 ،" فقد قاموا بقصف المدينة بالاسلحة الثقيلة، كما دمروا حافلة تقل ثلاثين من المدنيين، قتلوا جميعاً، كما تسببوا في نزوح سكان المدينة نحو منطقة كلار". وكانت جريدة الصباح العراقية قد اشارت في العام 2009 "الى ورود اثنتي عشرة مذكرة من الشرطة الدولية الى السلطات القضائية بمحافظة ديالى (يقع معسكر اشرف ضمن حدودها) تتعلق ببعض المسؤولين في منظمة مجاهدي خلق الايرانية على خلفية تورطهم بعمليات مخالفة للقانون منها الاختطاف، مؤكدة وجود العديد من المعوقات التي تعترض تفعيل مذكرات القبض الصادرة ضد هؤلاء اهمها عدم السماح لمنتسبي الشرطة بالدخول الى معسكر اشرف الذي يقيمون فيه من اجل استكمال التحقيقات الاصولية مع المطلوبين فضلا عن امتناعهم عن الخروج من المعسكر والمثول امام المحاكم" ( جاءت هذه المعلومات في مقال على موقع الحوار المتمدن بقلم وداد فاخر بتاريخ مارس-آذار 2009 ).

ومن الامثلة الصارخة على تدخل مجاهدي اشرف في الشؤون العراقية في الفترة التي كان معسكرهم يخضع للسيطرة الاميركية المباشرة (2003-2009 )، اقامتهم لعلاقات متميزة مع سياسيين بعثيين أمثال صالح المطلق وظافر العاني وعدنان الدليمي، وغيرهم، وهم كانوا ومازالوا اطراف صراع على السلطة في العراق، وكانت قيادة معسكر اشرف قد دعت المطلق ليكون رئيسا فخريا لمؤتمرها السنوي في العام 2007، بالاضافة الى دعوتها للمذكورين سابقا في مؤتمراتها الاوروبية. ان دور الاشرفيين معروف لدى سكان محافظة ديالى، فقد ساهموا بتردي اوضاعها الامنية على خلفية صلاتهم بزعماءعشائرها وتقديم الرشاوي لهم وتشجيع شبابها على الانخراط بجماعات ارهابية. وليس صدفة ان تكون ديالى معقلا لابي مصعب الزرقاوي الذي قتل هناك وكان اتباعه يلقون الدعم من معسكر اشرف.

ان التذكير بما فعله مجاهدو اشرف في العراق امر مستقل تماما عن الموقف الايراني منهم، فهل ننكر مثلا جرائم الاسرائيليين في لبنان لمجرد اننا نختلف مع حزب الله ونعارض هيمنته على القرار اللبناني؟ أم هل نتجاهل مذابح القاعدة في العراق والعالم لأننا نكره امريكا؟ لا ينبغي خلط الاوراق والنظر لكل من يرفض وجود مجاهدي خلق في العراق على انه موال لإيران.

وبعيدا عن مسؤولية الاشرفيين تجاه ضحاياهم من عراقيين عرب وكرد، لابد من مناقشة الفكرة المتداولة اعلاميا التي تقول بامكانية توظيف معسكر اشرف للضغط على النظام الايراني ومساومته، ان الحكومة العراقية أضعف بكثير من ان تمارس هذا الدور، حتى لو ارادت.

وعلى فرض امكان مواجهة ايران عن طريق التلاعب بمصير معسكر اشرف، وبعث قدراته العسكرية، فماذا ستكون النتيجة؟ مناوشات عسكرية على الحدود حيث تصبح الاراضي العراقية مجدداً تحت مرمى المدفعية الايرانية، وهذا ما ينبغي ان تتجنبه اية حكومة عراقية، مهما كان وصفها، سواء كانت فاسدة دكتاتورية او وطنية مخلصة عادلة، وهو ما كان يحرص عليه الرئيس العراقي الاسبق احمد حسن البكر في السبعينيات، وفي عهده حين كان قويا ممسكا بزمام الامور، ارسل نائبه صدام حسين الى الجزائر في شهرمارس-آذار من العام 1975 ) للتوقيع مع شاه ايران على اتفاقية لتناصف الحقوق في شط العرب، مقابل ايقاف الدعم الايراني للحركة المسلحة الكردية، بالاضافة الى بنود اخرى، منهيا بذلك فترة طويلة من النزاع . ومازلت اذكر الكثير من المحاضرات القانونية التي القيت في بغداد لتزكية اتفاقية الجزائر، وكان بعض المحاضرين من الشخصيات القانونية المرموقة.

واخيرا وليس آخراً في موضوع أشرف الشائك، اعود لمعلومة عجيبة طالما رددها الداعون لبقاء مجاهدي اشرف في العراق، من ان ما يقرب من سبعة ملايين عراقياً من سنة وشيعة كانوا قد عبروا عن موافقتهم وترحيبهم بهؤلاء!! ولو افترضنا جدلا ان ذلك قد حصل على الرغم من مجافاته للعقل واستحالته في ظروف العراق الامنية، فماذا عن الملايين الاخرى في العراق، وهل يجهل المدافعون عن أشرف عدد سكان العراق الآن (حسب التقديرات 30 مليون)، ام انهم مازالوا يحتفظون بارقام الاحصاء السكاني في العام 1957 حين كان عدد العراقيين سبعة ملايين فقط!!

ان ما تقدم لا يعني تأييد اية ممارسات عنفية ضد منتسبي اشرف واكبر خدمة يقدمها الاتحاد الاوروبي لهم هي في ان يسارع الى استضافتهم في بلدانه وبلدان حلفائه في اميركا وكندا، لان استمرار الاحتكاك مع القوات العراقية ليس في مصلحتهم. وخير بلد بالنسبة لهم هو فرنسا، حيث يتسنى لهم لم الشمل مع قيادة منظمتهم في الضاحية الباريسية تافرن، الا ان المشكلة هنا ان فرنسا لاترحب بهم بل تسمح بعقد المؤتمرات من اجلهم فقط، فقد سبق لها ان اعترضت على القرار الاوروبي باستثناء منظمة خلق من قائمة الارهاب.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات