ذكريات من أنتفاضة عام 1991 في العراق

بمساعدة العملاء والجواسيس من منظمة مجاهدي خلق الآيرانية وجحوش الافواج الخفيفة وقاموا بتعقيب الثوار الكورد والمناضلين التركمان في مدينة كركوك وتطهير المدينة منهم . وهكذا أنسحب الثوار الى مدن أربيل والسليمانية ودهوك .

لأني كنت واحدا من المليون ...

لأني تذوقت مرارة الرحلة ...

لأني عانيت الويلات مع المليون ..

لأول مرة كتبت القصة عام 2004, القصة الكاملة لأحداث رحلة المليون عراقي الذين هربوا من بطش النظام العفلقي أبان الهجوم على مدن أربيل والسليمانية ودهوك . وأحتلال المدن الثلاثة بعد الانتفاضة الرمضانية المباركة عام 1991 . كتبت تفاصيل مأساة هؤلاء , وهناك قصص واقعية وقعت لي ولعائلتي ومئات الألوف ..

تفرغت لكتابة الحلقة الاولى مع التأكيد بأن الاسماء والاماكن والقصص واقعية والحوادث بدون رتوش وهناك الالوف من الشهود عاشوا المأساة وبالتأكيد سوف يتذكرون جميع الاحداث .

أيام قبل الهروب :

بعد أحداث أحتلال الكويت وعنجهية الدكتاتور صدام وعدم أجراء أية مفاوضات , مستندا الى تعليمات واوامر أسياده العملاء انخدع الشعب العراقي بكل تأكيد و ثم العربي والاسلامي . وعنجهية أبن العوجة أعطى الامريكان فرصة القدوم والدخول الى المنطقة أو بالأحرى العودة من جديد مع الأنكليز لآحتلال أبار البترول وخيرات المنطقة .

بقيّ الجيش العراقي داخل الكويت ومن تحت القصور والسراديب ومن تحت الانهار وفي حفرة مثل تلك التي أخرجّ منها صدام . كان صدام يندد ويصرخ أين الآمريكان ! وكان يهدد ويتوعد بكذا وكذا . والشعب العراقي المسكين يموت جوعا . ويتحسر ألما على قطعة رغيف خبز . وهم يعيشون على اراضي تحته مئات من أبار البترول . ولكن لاحول لهم ولا قوة .

الآلوف زج بهم في الفرق الخاصة بالجيش الشعبي وأرسلوا الى الكويت والمدن الجنوبية . الآلوف تطوعوا في جحافل فدائي صدام بأمر من عدي ومقابل حفنة من الدولارات. وكان هناك الملاييين في خدمة الاحتياط أضافة الى الجيش النظامي والحرس الجمهوري . يعني أن صدام كان قد خطط مع أسيادة بزج العراقيين من عمر 16 الى 70 سنة بلا رحمة ولا شفقة وكل من تخلص من الموت بعد ثماني سنوات من حرب ضروس مع أيران . ولم يفكر لابالعوائل ولا بالآرامل ولا بالشيوخ . الجميع ارسلهم الى محرقة الحرب وانتظروا القصف الامريكي . وحتى دوائر والمؤسسات الخدمية أفرغت والمدارس والكليات تعطلت وتوقفت من أجل موت الجميع سوية . والذين لم يشاركوا او أمتنعوا عن المشاركة زج بهم في السجون وأعدم من أعدم ومات من مات تحت التعذيب . وهناك فقط الرفاق الكبار وأبو الواسطات والرشاوي تخلصوا من المحرقة .

في الليلة المشئومة لضرب العراق و العاصمة بغداد ومن ثم أفلات الوضع من أيدي جلاوزة صدام وتحرك الثوار البيشمركه الابطال في مدن شمال العراق وأطلاق شرارة الانتفاضة بوجه الدكتاتور صدام وأسقاط واحراق دوائر البربرية والهمج من الآمن والاستخبارات وهروب الآلوف منهم الى مدن الموصل وكركوك , سيطروا بالكامل على الوضع , ومن ثم أنتشرت أخبار الانتفاضة في الجنوب ووسط العراق وهكذا فقد كان صدام قد فقد كل الآمال وكان مستعدا للهروب , و لولا السياسة الدولية اللعينة وتقلب الموازين في الساحة الدولية وخصوصا منطقة الشرق الآوسط . لقد خانوا العراقيين وبدؤا بمساعدة الحرس الخاص والحرس الجمهوري بعد هروب الجيش النظامي وعدم مواجهة ثوار الانتفاضة . وكان أنذاك الجيش العراقي ينسحب من الكويت عبرمدن الجنوب بأتجاه العاصمة لحماية النظام الدكتاتوري وحماية سقوط بغداد بأيدي الثوار . كان للآمريكان دور كبير في قمع الانتفاضة . حيث كانوا يستعيدون الاسلحة من الثوارفي الجنوب ويتم نزع الاسلحة الثقيلة منهم وليسلموا تلك الاسلحة لجيش الطاغية وقمع الانتفاضة بقيادة المجرمين محمد حمزة الزبيدي وهاشم حسن المجيد ومحمد يونس الاحمد وعلي الكيماوي وعزت الدوري وطه ياسين رمضان . وأنذاك سمحوا لطائرات الهليكوبتر بقصف مواقع الثوار والقضاء عليهم بوحشية وبربرية ومن ثم أعتقال وأبادة المئات منهم وأمامهم دون أن يتدخلوا , رغم قرارات الآمم المتحدة ومجلس الآمن . وبعد تهدئة الاوضاع قاموا بالهجوم على مدن كوردستان بمساعدة العملاء والجواسيس من منظمة مجاهدي خلق الآيرانية وجحوش الافواج الخفيفة وقاموا بتعقيب الثوار الكورد والمناضلين التركمان في مدينة كركوك وتطهير المدينة منهم . وهكذا أنسحب الثوار الى مدن أربيل والسليمانية ودهوك . وبعد أيام وخصوصا بعد أعطاء الضوء الآخضر للحرس الخاص والحرس الجمهوري وبمساعدة العملاء قاموا بالتوجة الى تلك المدن لآبادة الكورد والتركمان والعرب والمسيحيين الموجودين هناك . وأنزال أقصى العقوبات بهم .

قبل ذلك بأيام فقد تم تطهير تلك المدن من منتسبي الامن والمخابرات والاستخبارات وقتل كل من كان يقاوم والاخرون أعتقلوا وزج بهم في السجون . أما أفراد الجيش العراقي العائد من جبال حاج عمران وحسن بك وسفين مشيا على الآقدام . فقد عاد الكثير منهم الى أهاليهم في الجنوب ولم يتعرض لهم احد والبعض منهم أختار البقاء في تلك المدن خوفا من بطش صدام لآنهم أحسوا بالآمان أكثر هناك وهم بين أخوانه الكورد .

وأثناء تواجدي في مدينة أربيل في الانتفاضة أتصل معي الدكتور صبيح وهو تركماني وكان من أهالي كركوك ومدير الطب والتشريح العدلي في مستشفى اربيل الجمهوري . وكذلك الشهيد الدكتور محمد باجلان الذي أغتيل من بعد ذلك على أيدى الجبناء والقتلة . وطلبا مني زيارتهم في المستشفى . في ذلك المساء ذهبت الى الطب العدلي وتحدثوا معي عن وجود عشرات الجثث لبقايا أزلام صدام وقتل هؤلاء من جراء المصادمات في دوائر الآمن والاستخبارات والمخابرات وبعض الآماكن الخاصة للدكتاتور . وطلبوا رأيي عن كيفية عمل أرشيف لهؤلاء قبل دفنهم والاستفادة من صورهم . فأقترحت عليهم تصويرهم بكاميرا فوتوغراف انذاك على شكل أنفرادي لكل جثة صورة أو صورتين ومن ثم ترقيم الجثث ومن بعد ذلك تصوير الجثث بالفيديو . وبالفعل وافقوا على ذلك لآن ذلك كان عملا أنسانيا ونبيلا وبعيد كل البعد عن جرائم هؤلاء بحق أبناءنا وعوائلنا . وقمت بذلك شخصيا ومن ثم تم دفن الجثث في مقبرة البلدية وبجهود العاملين في المستشفى والبلدية والاحزاب الكوردية . وبعد ذلك كان أهالي هؤلاء يأتون للتحقق من مصير أبنائهم .وبالفعل كانوا يراجعون الدكتور صبيح كمسؤول وكان هناك من تعرف على صورة وفلم الجثة التابعة لآبنائهم وكانوا يقومون بنقل الجثمان الى مدنهم . وقد فرحت جدا لذلك العمل الآنساني بمساعدة الدكتور صبيح والدكتور محمد . ولم يعرف بتلك العمل غير نحن الثلاثة لحد يومنا هذا لاننا عملنا ذلك كواجب كل عراقي يحمي اخوانه في وقت الشدة رغم اعمالهم الاجرامية في مدينة اربيل وكنا نعرفهم جيدا ولكن لم نقابل تلك الاعمال الشريرة بمثلهم . وكان بامكان المسؤولين ترك الجثث في العراء او دفنهم في مقابر جماعية دون معرفة احد من اهاليهم .

أثناء أيام الآنتفاضة أتصل معي أحد الآخوان المسؤولين في الاحزاب الاسلامية وطلب مني أن أساعدهم في عرض فلم وثائقي وأرشيفي لضرب مدينة حلبجة بالآسلحة الكيماوية من قبل نظام الدكتاتور , وبالفعل وبعد أن تم تخصيص قاعة المكتبة المركزية في أربيل وتهيئة الاجواء المناسبة للجمهور تفاجئنا بحضور العوائل أيضا وبكثافة . أنذاك طلبوا مني أن يتم أستنساخ الفلم وتهيئة قاعة أخرى للعوائل وبالفعل قمت بربط التلفزيونات وأجهزة الفيديو بشكل بسيط وعملي ليعرض الفلم في أن واحد . وتحول قاعات العرض الى مأتم وأحزان من شدة اللقطات الحزينة والمؤثرة أثناء وبعد قصف المدينة بالكيماوي . ولم يتحمل البعض وأغميّ على الكثيرين . وبذلك العمل تم فضح أكاذيب وأدعاءات الاجهزة القمعية وأطلع العالم أجمع بالجريمة البشعة لنظام أبن العوجة وأبن عمه الكيماوي وكل من كان معه من الخونه والمجرمين والجواسيس . وطبعا الفلم موجود لحد الآن . ولكن مالفائدة !!

قبل الهروب ..

في أواخر أشهر الشتاء القارس في مدن كوردستان العراق أربيل والسليمانية ودهوك , سمعنا أخبار عن نية المجرمين البعثية بأقتحام تلك المدن والقضاء على المتبقين من الكورد ومن معهم هناك . أو الانتقام من هؤلاء ومعاقبتهم عقابا جماعيا لتلك الاعمال التي وقعت في أيام الانتفاضة , من الهجوم على مقرات الآمن والاستخبارات ومراكز الشرطة والمقرات الحزبية , وهروب الآلوف من قوات الجيش النظامي.

كان الناس خائفين ومرعبين لآن لهم خبرة مع الاعمال الاجرامية لهؤلاء وكانوا يعرفون مدى الكراهية لهؤلاء الجلادين للشعب الكوردي . وقبل ذلك كان يهدد القائد المغرور وأعوانه بالهجوم على مدن كوردستان وقمع الانتفاضة بأبشع صورة . لهذا كان أهالي تلك المدن على أهب الآستعداد للرحيل الى الجبال القريبة بأعتبار أن تلك المناطق الوعرة ملاجيء أمنه لهم .

وبالفعل في صباح أحد الآيام سمعنا أصوات المدافع من مسافات بعيدة . وللتعتيم الاعلامي أنتشر الاخبار بأن هناك تدريبات عسكرية قريبة من المدن . وكنت أنا وعائلتي في مدينة أربيل . ومساء ذلك اليوم سمعنا أخبار بتقرب قوات صدام من محاور التون كوبري حيث قاموا بسحق التمرد وأعدموا المئات في الناحية من التركمان والكورد ولم يرحموا بأحد من الآهالي . واعتبروهم خونه وضد الحكومة والبعث . وبدؤا بالاقتراب من ناحية عينكاوه عن طريق كلك ياسين أغا و به رده ره ش . أي باتجاه محورين . وفي الليل أجتمع أهالي المحلة لوضع قرار حول الوضع . واجتمعنا في بيت المرحوم السيد أبو موسى حيث كان الكبير في السن في المحلة . وقررنا الآنتظار الى صباح اليوم التالي وعدم الرحيل وترك بيوتنا للنهب والسلب من قبل الغزاة القادمين من الوسط والجنوب والجحوش. ولم يقدر أحدنا على النوم حتى الصباح . وفي ساعات الفجر الآولى أصبحت القوات الغازية على بعد كيلومترات من حدود أربيل . أنذاك كل واحد منا كان يملك سيارة خاصة أو بيك أب أو لوري قمنا بالآنطلاق نحو أتجاه مصيف صلاح الدين .

لم نكن نعلم بأن الكثير من أهالي أربيل هروبوا في جنح الظلام والالتجاء الى القرى والنواحي القريبة من الجبال مثل شقلاوة وكوري وحرير وخليفان وراوندوز .وعندما وصلنا الى الشارع العام كانت هناك سيطرات من قبل الثوار البيشمركة , كانوا يحاولون تهدئة الآوضاع وأحيانا منع المواطنين بترك المدينة لهؤلاء , وكانوا يطالبون بالمقاومة . وأثناء ذلك حلقت الطائرات السمتية على سماء المدينة , وقاموا بأنزال عشرات الدبابات والمدرعات على مشارف المدن .

كنت أملك سيارة من نوع برازيلي وكان معي عائلتي ,وكان أمامي سيارة شقيقي يونس وهو أصغر مني بسنوات ومعه والدتي وأخي جرجيس وأخواتي هناء وزوجة أخي سهير وأبنته مروة .وكانت السيارة من نوع تويوتا كرونا. والشوارع تحول الى هرج ومرج وأزدحام . والجميع يحاولون أنقاذ أرواحهم من الغزاة ,

عند وصولنا الى نقطة سيطرة أربيل – مصيف صلاح الدين شاهدنا توقف المئات من السيارات وجميع الركاب جالسين في داخل سياراتهم , خائفين ولايعلمون ماذا يفعلوا. وعند أقترابنا أكثر وأكثر . وفي لحظات قام قائد الطائرة بفعلته الجبانة والشنيعة , حيث بدء بقصف أرتال السيارات على طول الطريق وتحول المكان الى جحيم وكتل من اللهب وحاول الكثير من العوائل الهروب الى خارج نطاق القصف والخروج من السيارات , ولكن البعض منهم لم يلحقوا بتلك الثواني بل بقوا جثث هامدين وأخرى تحولت الى أشلاء . وشخصيا تمكنت من الهروب والخروج عن مسار الشارع العام . ألا أن اخي يونس حاول الانحراف والهروب . وقال لي عن تكل اللحظات , كنت أراقبك وأنت تمشي في الخلف وفي لحظات شاهدت نفسي وجها لوجة مع الطائرة وشاهدت الصواريخ تنطلق بأتجاهنا وفي لحظات قمت بتدوير المقود وأنحرفت الى اليمين وأرتطمت بالسياج الجانبي وكنت أسمع العويل والصراخ داخل سيارتنا وسيارات الاخرين والناس يهربون يمينا ويسارا وحائرون من أمرهم وهم في أرض مستوية وقاحلة أين يهربوا ويختبؤا . ولم أدري ثم ماذا حصل .

وبعد دقائق أنحرفت الطائرة لترحل من فوق رؤوسنا وتذهب الى طريق أربيل – كويسنجق ويقوم بتلك الاعمال الاجرامية هناك أيضا حسب ماسمعنا بعد ذلك . والمهم بعد تهدئة الاوضاع قليلا تمكنت من الوصول الى سيارة أخي وشاهدت أن الصاروخ سقط بالقرب من الجزء الآمامي وعلى جهة السائق وأصابت السيارة بعشرات الشظايا , وشاهدت أخي خلف المقود والدماء يغطي وجهه ووالدتي تحس بألم في صدرها ونظرت الى الخلف لآشاهد أختي وزوجة أخي يونس فاقدون الوعي وأبنة أخي مروة تبكي تصرخ وكانت عمرها حوالي سبعة سنوات . وبعد عناء شديد مع اخي جرجيس وبعض من الناس الذين ساعدونا وساعدوا الجرحى قمنا بأخراج أخي يونس من السيارة مع العائلة . وقام المدعو طيب وكان جيرننا في المحلة . بأدخال أخي يونس مع العائلة في سيارته والانطلاق بهم بأتجاه الجبال وكان معه فقط زوجته . وقام أحد معارفي هناك بقيادة سيارتي البرازيلي والهروب بعائلتي أيضا . بقيت مع أخي جرجيس في الساحة عند سيارتنا . التفت الى حولي لآجد الجثث والجرحى هنا وهناك . قمنا بمساعدة الجرحى ودفن جثث الآموات في حفرة جماعية بالقرب من نقطة التفتيش . وكان الشهداء أكثرهم عوائل وأصيبوا وهم داخل السيارات . وشاهدت باص منشأة زرقاء اللون تحمل أكثر من مائة راكبا وقد أصيبت بطلقات وصواريخ الطائرة من جهة مقعد السائق والى الخلف , حوالي أكثر من عشرين شخصا كانوا شهداء في الباص والعشرات جرحى . ونظرت الى سيارة من نوع بيجو تاكسي . شاهدت الجميع ماتوا , وكان المنظر مؤلما حيث كانت هناك سيدة جالسة في الآمام وتحتضن طفلتها وهي ميته , والطفلة ماتت أيضا . حيث أصيبت بشظايا في وجهها . بقينا على هذا الحال لآكثر من ساعة ونصف ولم نرى الطائرات بعد ذلك . وواصل الناس المسيرة رغم النداءات بالعودة الى المدينة .

رجعت الى سيارتنا وشاهدت عجلة السيارة الامامية قد أنفجرت وقمت بتبديل العجلة . وفي الخلف شاهدت أن خزان البنزين أصيب بثقوب , وحاولت أيقاف تدفق البنزين بشتى الطرق . وبمساعدة الاخرين قمنا بأعادة السيارة الى الشارع العام . وهنا أفترقت مع عائلتي وبقيت أنا مع أخي جرجيس فقط لوحدنا والاخرين رحلوا باتجاه الجبال في مصيف صلاح الدين .

...

بعد أجراء اللازم في السيارة قمت بقيادة السيارة بأتجاه مصيف صلاح الدين . وفي الطريق كان الجميع ينتظرون عودة الطائرات مجددا للقصف , وكنا مرتعبين وخائفين من تلك اللحظة . وبعد عناء طويل من شدة الآزدحام وصلنا الى مركز الناحية فوق الجبل .

هناك شاهدنا رجال البيشمركة فوق أسلحة مقاومة الطائرات , وتبين لنا أنهم تصدوا للطائرات وبذلك أمنوا الطريق الى مركز الناحية وأنقذوا العوائل وسياراتهم . وفي مستشفى الناحية شاهدت عشرات الجرحى والمصابين , وقد بذل الآطباء جهود كبيرة لآحتواء الموقف رغم أن بناية المستشفى صغير وعلى شكل مستوصف طبي ,

بحث عن عائلتي وأستفسرت من هذا وذاك . وبعد أنتظار لساعات تبين لي أنهم رحلوا بأتجاه قضاء شقلاوة . وتحركت من المصيف بأتجاه شقلاوة . وفي أول أنطلاقة أنفجرت العجلة الآمامية وبقيت بدون عجلة وبعد برهة شاهدت أن خزان الوقود على النفاذ , فأستفسرت من أخي جرجيس مالعمل . ونحن نعلم جيدا بأن هناك أزمة كبيرة للبنزين , ولا يوجد أحد نستعير منه عجلة أحتياطية .

خطر على بال أخي بوجود صديق له يسكنون في الناحية . أنذاط طلبت منه بأن نذهب الى بيتهم , وصلنا بعد عناء طويل لشدة الازدحام الى بيتهم . ولم نجد أحدا غير حارس البيت , وأستفسرنا منه عن أهل البيت فتبين لنا أنهم رحلوا أيضا بأتجاه الجبال . وقلنا له بأننا من معارف صاحب البيت كريم العلاف . وطلبنا منه أن يفتح باب الكراج تحت البناية . فوافق الرجل بعد أن شرحنا له الوضع .

تخلصنا من السيارة ورجعنا الى قارعة الطريق ووقفنا أكثر من ساعتين , وأخيرا توقف لنا سيارة شحن لوري كان لصديق اسمه أزاد مخموري . وصعدنا في الخلف مع عائلته , حيث كانت في السيارة حوالي أكثر من مائة شخص اطفال ونساء ورجال وشيوخ . وقطعنا منحدرات المصيف من جهة ( قرية كوري ) أنذاك سمعنا صوت أنفجار هاونات تنطلق على الناس من جهات مختلفة . وهرع الناس من جديد وبعد قصف لساعات أكملنا الطريق الى قضاء شقلاوة . وهناك طلبت من صديقي أزاد أن يتوقف قليلا لآن عائلتي في شقلاوة .

نزلنا من اللوري وتحركنا مشيا حوالي ساعة الى أن وصلنا الى مركز شقلاوة , ذهبت الى المستشفى ولم أجد أحدا من عائلتي وبحثنا طويلا , وذهبنا الى مناطق تجمع النازحين , ولكن من دون جدوى , وأخيرا التقيت مع أحد جيراننا وقال لي بأن أخي يونس ووالدتي تم أجراء اللازم لجروحهم ولكن أتجهوا الى ناحية خليفان أو راوندوز .

بقينا نبحث هنا وهناك عن القليل من الآكل أو الماء . وساعدنا أحدى العوائل في ذلك . بعد أستراحة قصيرة داهمنا الوقت وكانت حوالي الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم . وجئنا الى الطريق الرئيسي وبقينا واقفين تارة ونتواصل المشي على حافة الطريق تارة أخرى . رغم الخطورة والازدحام . وبعد أن أشرنا بأيدينا لعشرات السيارات , أخيرا توقف لي سيارة بيك أب , وتبين أنه عرفني من بعيد وصعدنا في الخلف , ووصلنا الى ناحية خليفان , وقت بعد الغروب . وقال لي صاحبي أنه يبقى في خليفان . وشكرته على ذلك . وبعد أن توقفنا حوالي أكثر من ساعة , هدأت حركة السيارات ولم نجد أحدا يساعدنا في عبور كلي علي بك الى ديانا ورواندوز .

ذهبنا الى الجامع , وكان الاوضاع أهدأ بكثير من باقي المناطق . وبعد أن أكلنا قليلا لم نجد المكان للنوم في الجامع من شدة ازدحام الناس . ولاأحد يتجرأ على النوم . وقال لنا أحدهم أذهبوا الى المدرسة الابتدائية , حيث تم أفراغ الصفوف الدراسية من المقاعد للنازحين من العوائل . وفعلا ذهبنا الى المدرسة ولم يكن هناك أي مسؤول , وشاهدنا هناك أن كل عائلة أو عائلتين قد حجزوا الغرف من قبل أيام . وكأنهم قاموا بتسديد الفواتير , ولم يقبلنا أحدا من العوائل , ولكن أحدهم أشفق علينا ببطانية واحدة فقط لي ولآخي !!

قضينا الليل في برد قارس في أحد أركان الساحة , ولغاية بزوغ الشمس في اليوم التالي تقلبنا يمينا ويسارا , كان أخي أحيانا يسحب البطانية ليتغطى بها وأحيانا كنت أحاول النوم , لكن المهم قضينا ليلة تعيسة .في الليل تذكرت مأساتنا وكيفية وصولنا الى المدرسة وكم عانينا , وفي نفس الوقت كنت أفكر في عائلتي والمصابين والآخرين . كنت أحس بأنهم بخير لآنني ضحيت بالبقاء هناك مع أخي لآنقاذ المصابين والجرحى وأيصال سيارتنا الى بر الآمان .

في تلك الليلة لعنت القيادة والبعث والجلادين وكل من كان سببا في أيصال هذا الشعب المسكين الى هذا الحال , ترك الآلوف من العوائل بيوتهم هكذا وخرجوا فقط مع ملابسهم . وأخرين كانوا يأكلون الفطور ! وتركوا كل شيء فقط لآنقاذ أرواحهم . لم يكن هناك قيادة أو تنسيق بعد الانتفاضة لآنقاذ المواطنين بصورة أفضل . الجميع حاول الخلاص , حتى المسؤولين الكبار أخرجوا عوائلهم قبل أيام من الهجوم .

وساعد قوات التحالف أنذاك قوات صدام بالهجوم والوصول الى مدن كوردستان , باعوا الكورد والعراقيين من أجل حفنة دولارات وصفقات أسلحة , دمروا الجيش العراقي والبنية التحتية ومن ثم أبقوا صدام أو ساعدوه في البقاء في السلطة والقضاء على الانتفاضة ووقع صدام للامريكان على ورقة بيضاء ووافق على جميع الشروط بعد حرب الكويت . كانوا يقولون في الغرب ( شعب جبان وقائد مغرور ) لكن الشعب ثار وأنتفض وكاد أن يقضي على القائد المغرور عام 1991 لكن لعبة السياسة الامريكية وأعداء الآسلام والكورد والعرب والتركمان . كان أكبر من الشعب المنتفض والثائر!!

ومع بزوغ الفجر جئت الى قارعة الطريق عسى ولعل أفلح في الصعود لآحدى السيارات والعبور الى الجهة الثانية . وبالفعل ساعدنا أحد أخواننا الكورد بالصعود مع عائلته ووصلنا الى منطقة ( ده شت ديانا ) وبالقرب من المجمع أنزلنا السائق وكانت المنطقة أشبة بيوم الحشر والقيامة . حيث الآلوف من العوائل الهاربين والنازحين وهم في ساحات بدون مأوى أو خيام أو حتى قطعة كارتون للنوم او الجلوس علية .

بحثت لمدة نصف يوم كامل الى أن وجدت عائلتي , حيث ذهبت الى مستشفى القضاء وهناك تعرف علّي أيضا طبيب وقال لي أنه يعرف أخي يونس المصاب , وأنه قام بأجراء اللازم للمصابين وهم هنا في القضاء وسيعودون مساء مرة أخرى للتداوي وتنظيف الجروح مرة أخرى , وبعد بحث طويل عثرت على أهلي وتعانقنا ونحن نبكي من شدة الآلم والمأساة على حالنا وحال الآلوف من حولنا .,


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات