توحيد جهود الإرهاب في "جيش القاعدة الموحد"

 

من حمامات الدم، الى طاولات التخطيط والتنظير السياسي.. هكذا؛ مرة واحدة، يقفز تنظيم "القاعدة" الذي عرّف نفسه منذ ظهوره على الساحة أواسط التسعينات في افغانستان، على أنه داعية للتغيير بأعنف الوسائل وأكثرها دمويةً، والاهداف التي يشرعها التنظيم لنفسه، تشمل النساء والاطفال والاسواق ودور العبادة، والمؤسسات المدنية في غير بلد اسلامي، أما أساس الشرعنة هذه، فهي وجود الامريكيين في هذا البلد أو ذاك. ففي البداية كان الهدف الامريكان أنفسهم، ثم تحوّل الهدف الى الناس العاديين الذين دخل الامريكان بلادهم ضمن سيناريوهات للتغيير، كما حصل في افغانستان والعراق.

ظهر اسم "القاعدة" عندما تعرضت المصالح الامريكية في السعودية الى كارثة، تمثلت في التفجير الهائل الذي ضرب القاعدة الامريكية في مدينة "الخبر" السعودية عام 1996، ثم جاء عام 1998، لتوجه أصابع الاتهام الى "القاعدة" بمسؤوليتها في تفجير سفارتي امريكا في تنزانيا وكينيا، وهو ما أدى الى مصرع حوالي 220 شخصاً، ثم اختفى الاسم عن وسائل الاعلام، لفترة من الزمن، وعاد الى الواجهة بالأحداث المدوية في الحادي عشر من ايلول عام 2001، حيث وجهت الاوساط الاعلامية والسياسية معاً، أصابع الاتهام الى هذا التنظيم بعد ساعات من تفجير برجي "منظمة التجارة العالمي"، وايضاً مبنى وزارة الدفاع الامريكية "بنتاغون"، وكان مثيراً آنذاك أن ترفع صور "أسامة بن لادن" بعد ساعات من الحادث على أنه المسؤول الأول عن هذه الهجمات، والاكثر غرابة وإثارة، سكوت الاخير وتنظيمه على الاتهامات الامريكية السريعة ودون تحقيقات وتحريات، كما لو أن ثمة اتفاق مسبق وغير مكتوب، لأن تنفذ "القاعدة" هكذا عمليات ارهابية وبهذه الطريقة والاسلوب.

بعد طرد "طالبان" من افغانستان، وتفكيك منظومة النظام الصدامي في العراق، بات واضحاً لدى المراقبين والمتابعين أن "القاعدة" فرضوا نظرية ارهابية جديدة على شعوب المنطقة، وهي أن يكون الشباب الافغاني والعراقي، جنوداً طائعين ينفذون الاوامر لمواجهة القوات الامريكية، أو الجنود الامريكان الذين يوجوبون الطرقات والمناطق السكنية، وهذا ما يحتمله الفكر السلفي – التكفيري الذي يغذي العقلية الارهابية لهذا التنظيم، لذا كانت المجازر المريعة في افغانستان والعراق، بحق المدنيين بمختلف أنواع الفتك والقتل، من أحزمة ناسفة وسيارات مفخخة أو عبوات، هذا الى جانب أساليب التهديد والترويع وغيرها. وقد نُقل عن "الزرقاوي" انزعاجه وتبرّمه من شيعة العراق، لعدم نهوضهم وتصديهم للاحتلال. وعليه؛ فهو لم يوجه الانتحاريين، الى من يصفهم بـ "عملاء الامريكان" من مسؤولين عراقيين أو أفغان، إنما بدأ يخوض دماء الابرياء من النساء والاطفال، وكان التركيز على العراق حصراً في تنفيذ هذا المخطط الاجرامي – الدموي.

وحتى انفجار الاوضاع في البلاد العربية – غير الشيعية- لم يكن على عمليات "القاعدة" غبارٌ، ولم يشعروا بوجود تهديد جدّي على وجودهم وكيانهم، لكن الامر اختلف تماماً عندما اصطدموا بالمصالح الامريكية – الدولية في سوريا، وهم في حالة نشوة كبيرة لما بلغوا من التسلّط والتسيّد بسلاح الرعب على الشعوب الاسلامية، لاسيما في العراق. فكان قرار تشكيل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" على يد "ابو بكر البغدادي" الذي تصور أنه باندماج قوتين في بوتقة ارهابية واحدة، يكون قد رسم صور المنتصر في العراق، والقادم المحرر في سوريا، ثم اتخذوا لانفسهم عبارة مختصرة تحت عوان "داعش" للإشارة الى "الدولة الاسلامية في العراق والشام". هذه الدولة المفترضة في الاذهان والأوهام، طبقت نفس المنهج المتبع في العراق، وهي معاقبة المدنيين على ما يفعله السياسيون. واتفقت معهم في هذا "جبهة النصرة" التي تحمل بصمات المخابرات السعودية. إلا ان الجرائم المريعة، والخشية من اتهامهم باستخدام القنابل الكيماوية المحلية الصنع، والأخطر من كل ذلك؛ وقوفهم بوجه الغرب والولايات المتحدة، مشيرين عليها بتغليب الخيار العسكري، وتوجيه ضربات جوية وصاروخية تشل قدرات الجيش السوري، ليتسنّى لهم السيطرة على القواعد الجوية والمعسكرات الرئيسية ثم على النظام بأكمله في سوريا، كما حصل في ليبيا. وهي الرغبة التي أفصح عنها شيوخ الافتاء لديهم، حيث أجازوا التدخل الامريكي في سوريا لإنهاء الحياة السياسية للنظام السوري، وما أثار الغربيين والامريكيين على وجه التحديد "الوقاحة" التي ارتكبها السعوديون بانزعاجهم الشديد من توجه واشنطن نحو الحل السياسي بدلاً من العسكري، وهي الصفة أطلقها الدبلوماسي الامريكي المخضرم "فيلتمان"، عندما كشف عن الموقف الجديد للولايات المتحدة إزاء السعودية ودورها الهدّام في المنطقة.

هذه المعطيات، تجعل العقل الارهابي يفكر بالنجاة قبل أن "يبلغ السيل الزبى"، لأن الخسارة والهزيمة في هكذا مواجهة مكشوفة مع الشعوب، تكون أكثر إيلاماً ممن الطعنات التي وجهوها الى الابرياء في غير بلد اسلامي طيلة السنوات الماضية. حيث ينكشف زيف الفكر السلفي – التكفيري، وتسقط الأقنعة عن وجوه كبيرة؛ سياسية ودينية في المنطقة، فكان الخبر الاخير المنسوب الى "جبهة النصرة" بالتفكير في اندماج ثلاث جماعات ارهابية كبيرة ورئيسية بتشكيل "جيش واحد وقيادة موحدة و راية واحدة.."، والجماعات هي: "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، و "جبهة النصرة لأهل الشام"، و "أحرار الشام"، وحسب مصادر من "جبهة النصرة" اعتمدت عليها صحيفة امريكية، أن قيادات التنظيمات الثلاثة بحثوا خلال اجتماع لهم في حلب، تشكيل هذا الجيش الموحد.

المراقبون المتابعون لتحركات "القاعدة" وسائر الجماعات الارهابية الدموية في سوريا والعراق، يشيرون الى عدة عوامل تدفعهم للتفكير بهذه الطريقة:

العامل الأول: حالة التمزق الداخلي التي فاحت رائحتها ، وانكشف للعالم زيف الادعاءات بالتحرير، والدفاع عن حقوق الشعب السوري، وتطبيق الشريعة الاسلامية وغيرها، عندما لا يجد الارهابي من هذه الجماعة أو تلك، حرجاً من قتل الارهابي الآخر، والاثنين يحملون صفة "الإسلام"، وربما يعصبون رؤوسهم بعبارات دينية، ويتشابهون في وجوههم الملتحية، لكن تفصلهم وتميزهم المصالح المخابراتية والسياسية خلفهم، فالمعروف أن "جبهة النصرة"، هي تشكيل ابتكرته المخابرات السعودية ليكون عيناً ويداً لها في الساحة السورية، وتراقب تحركات "القاعدة" وأي جماعة ارهابية تسعى للتفرّد والتسيّد والعمل كيفما تريد.

العامل الثاني: الشعور باحتمال تخلّي السعودية وحتى قطر عن تمويل ودعم هذه الجماعات، عندما تكون المسألة حياة وموت، فحكام الرياض والدوحة، لن يغامروا بحياتهم السياسية من أجل شلّة من المجرمين وخريجي السجون وأصحاب الرؤوس المتحجرة، وهم معروفون جيداً لدى الاوساط الدينية والسياسية السعودية، لذا يفضلون دائماً إبعادهم عن السعودية والخليج بشكل عام، وإطلاقهم ينهشون لحوم الابرياء في العراق وسوريا ولبنان وغيرها. لذا فان هذه الجماعات ترى أن عليها استباق الاحداث تحسباً لتطور مباغت ربما يجعلهم أمام الجدار الاخير. وربما يكون مصيرهم مثل مصير "منظمة مجاهدي خلق" الايرانية، التي القت بنفسها في أحضان المخابرات الفرنسية والامريكية، لمقارعة نظام الحكم في ايران، ثم ارتأوا أن يجربوا الحضن الصدامي خلال الحرب العراقية – الايرانية، للاستفادة من الدعم السخي لصدام، ولتكون عملياتهم أكثر تأثيراً على الواقع الايراني. لكن نهاية هذه المنظمة كانت في اليوم الذي وطأ أعضاؤها أرض العراق وقبضوا أموال صدام السخية. فعندما انتهت الحرب ، وفي مرحلة لاحقة أطيح بنظام صدام، بقيت "وصمة صدام" على جبين هذه الجماعة الارهابية، فباتت اليوم مثل المصاب بوباء خطير يتحاشاه الناس، ويسعون لإبعاده ما أمكنهم أو نفيه الى جزيرة بعيدة.

العامل الثالث: وهو الأكثر أهمية، فهو الهاجس الامريكي، فالقاعدة تعرف جيداً حدود عملها وتحركاتها، أو لنقل أنها تلقت الرسائل بفهم عالٍ خلال السنوات الماضية، عندما أصطادت المروحيات الامريكية "الزرقاوي" في ديالى بعد أيام قلائل من ظهوره في صحراء الانبار، وهو يتحدى الامريكيين بسلاح رشاش متطور. وكما أجهزت قوة امريكية خاصة على زعيمهم "اسامة بن لادن" في باكستان، وأنهت حياته في ظروف غامضة. وعندما يتم اعتقال "ابو أنس الليبي" في ليبيا، على يد قوة مخابراتية خاصة، حيث تتهمه واشنطن بالضلوع في تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا. فمعنى هذا، انها كانت على علم مسبق بوجود هذا الشخص في ليبيا، أو أي مكان آخر، إنما اعتقاله مسألة وقت، فقط سجل المراقبون تمادياً في تحركات "القاعدة" في ليبيا التي ترى امريكا واوروبا، أن لهما الفضل في تخليصها من نظام حكم القذافي. لذا لن يدعوا حادثة مريعة كالتي راح ضحيتها القنصل الامريكي في بنغازي، تمر دون جواب.

المراقبون يعتقدون أن "القاعدة"، تفيد الولايات المتحدة، ومصالحها الاستراتيجية، في مسألة واحدة لا غير، وهي وجود العدو الوهمي في الاراضي التي تقيم عليها بعناوين متعددة. كما حصل في افغانستان والعراق والخليج. لكن هذا التنظيم المخابراتي، دقيق في تحركاته، فهو لم يتحرش حتى الآن بالمصالح السعودية، في الداخل او الخارج، مسجلاً تناقضاً واضحاً مع شعاراته بمحاربة أنصار الامريكان، بينما نجد السعوديون يرفلون بحياة هانئة بفضل التقنية والخبرات والقوات الامريكية الموجودة في الاراضي السعودية، كذلك الحال بالنسبة لقطر. من هنا فان تشكيل جيش موحد يوسع إطار التنظيم، ويضم بين صفوفه عناصر من جماعات اخرى، يعزز قوتها المعنوية والقتالية في آن، تحسباً لأي طارئ يفترسهم ويقضي عليهم.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات