الحماقة السعودية: سقطة تركي الفيصل

يتكئ تركي الفيصل في خطبه الود الإيراني إلى “منظمة خلق”. يراهن رئيس الاستخبارات السعودية السابق على منظمة لا تحظى بأي مقبولية في الشارع الإيراني، يمجدها ويباركها، جاهلاً بشكل مؤكد أن أي معارضة إيرانية مهما علا رصيدها الشعبي، فإن من شأن صورة لتركي الفيصل خطيباً على أحد منابرها أن يسقطها في الداخل الإيراني حتماً. في الشارع الإيراني يرتبط ذكر آل سعود بمفردتين:

البداوة والتطرف الديني، صورة تركي الفيصل في مؤتمر منظمة خلق الأخير أضافت مفردة جديدة هي: الحماقة! خلال كلمته في مؤتمر منظمة خلق الذي استضافته باريس مؤخراً وتعهدت بتكاليفه السفارة السعودية هناك، ختم الأمير السعودي كلمته مؤكداً على وقوف مملكته قلباً وقالباً إلى جانب منظمة “خلق”، مجاهراً: “أريد إسقاط النظام”. فما الذي أرادته السعودية من خلال المشاركة المؤتمر؟ وكيف جسد تركي الفيصل صورة عن الحماقة السعودية؟ السؤال الأهم: من سيسقط من؟! فتح الاتفاق النووي الصراع الأميركي-الإيراني على مرحلة جديدة.

“الحرب الناعمة” وفق التعبير الإيراني، أو “القوة الناعمة” كما نظّر لها الأميركي “جوزيف ناي”، تهدف إلى تحقيق السيطرة وترسيخ النفوذ “عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام”، وبأسلوب التغيير السلس من الداخل بدلاً من اللجوء إلى القوة العسكرية. يعي الإيرانيون هذه السياسة جيداً، وقد لمسوا شيئاً منها إبان أحداث العام 2009. ويعد الإمام السيد علي الخامنئي من أكثر الشخصيات الاسلامية والعالمية التي حذّرت من “الحرب الناعمة”، وبيّنت سبل مواجهتها. بين عامي 2009-2011، تم رصد أكثر من 15 خطاب للإمام الخامنئي توقف فيها عند التحذير من الحرب الناعمة. يقرأ الإيرانيون جيداً عقل من يحاربهم، يفهمون أساليبه ويتهيؤون للرد. إلا أن هناك من لا يقرأ و لا يعي… وبالتالي لا يفهم أي جمهور يواجه! هكذا يُمكن أن يفسر المقصود بالحماقة. فهم السعوديون المقصود من “القوة الناعمة”، إلا أن الحماقة تجلت في التطبيق، خصوصاً عندما جاء الرهان على “منظمة خلق”. خلال مشاركته في مؤتمر المنظمة، توجه تركي الفيصل إلى زعيمة المنظمة بالقول: “أنتِ يا سيدة مريم رجوي، وزوجك المرحوم مسعود رجوي، سعيكما لتخليص شعبكما… هو ملحمة أسطورية، ستبقى مثل “شاهنامه” مسطرة عبر التاريخ”. فأي ملحمة أسطورية يقصد الفيصل؟ يسطر التاريخ ضلوع منظمة خلق بتفجير المرافق العامة الإيرانية، وفي سجل المنظمة أنها شاركت يداً بيد نظام صدام حسين في غزو الكويت ونهب خيراته، بعد مساندته في الحرب التي شنها ضد إيران التي تعدها المنظمة بـ “الحرية”.

كما شاركت النظام العراقي السابق أيضاً في تصفية الأكراد، وقتل العراقيين إبان الانتفاضة الشعبانية. فأي ملحمة أسطورية يقصد الفيصل تحديداً؟ ربما لن نجد من يُعرّف بمنظمة خلق بشكل أدق مما وثقته صحيفة “الحياة” السعودية في تقرير نشرته عام 1999. استند تقرير مطول نشرته “الحياة” إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع منشقين كان أبرزهم الرجل الثاني في المنظمة “كريم حقي موني”، الذي كان يوماً أقرب مساعدي مسعود رجوي، والمسؤول الأول عن حماية مريم رجوي، وحاورت منشقين غيره لتكشف عن نمط لا انساني فرضته المنظمة على عناصرها، قبل غيرهم. تحدثت “الحياة” عن مساندة المنظمة لجيش صدام حسين في غزو الكويت، وقالت إن رئيس المنظمة مسعود رجوي عمد بعد أيام من احتلال الكويت إلى تفسير هدفه من المشاركة في الغزو، “قال يومها إنه يستخدم استراتيجية “ثغار”.

وثغار تعني قربة اللبن. ووفقاً لهؤلاء فإن الكويت مثل قربة مليئة باللبن منخورة بالثقوب ويتدفق منها اللبن. وعلينا ان نحصل على حصة منه”. “بهذا الموقف أرسل رجوي قوات من “مجاهدين خلق” إلى الكويت للمساهمة في نهب ما يمكن نهبه، حيث جلبوا معهم الى قواعد المنظمة في بعقوبة وابو غريب أجهزة وثلاجات وأغذية”، وفق ما تذكر “الحياة” السعودية. وتحدثت الصحيفة عن جرائم المنظمة بحق الأكراد الذين “كانوا عزلاً من السلاح توسلوا بكل الوسائل للحصول على ما يدافعون به عن أنفسهم.” هذا جزء يسير مما ووثقته الذاكرة السعودية عن “الملاحم الأسطورية” التي أشاد بها أمير المملكة التي لا يحرجها تجميل الإرهاب، وتبنيه والشواهد يطول ذكرها في هذا المجال. الإفلاس السعودي في حروبها الفاشلة في المنطقة، أدخلها في دائرة الحرب الناعمة. ربما أُعجب السعوديون بسلاسة الطرح، إلا أنهم لم يدركوا أن التطبيق يحتاج إلى حنكة ودهاء لم يثبت حتى اليوم أن السعودية امتلكت شيئاً منه.

في نهاية الثمانينات، توفر لمنظمة “خلق” الظروف الأكثر ملائمة لها لضرب الداخل الإيراني. استخدم صدام حسين مقاتلي المنظمة الإيرانية كمرتزقة في حروبه المتعددة. وأغدق عليهم الدعم السخي، كانت قوة المنظمة امتداد للثقل العسكري الذي امتلكه نظام صدام حسين، كما توفر لها جغرافيا مفتوحة على الجغرافيا الإيرانية، ومع ذلك لم تحرز هذه المنظمة في حروبها شيئاً عدا الفشل. اليوم تقرر السعودية دخول لعبة “الحرب الناعمة”، ليأتي الرهان على منظمة أقل ما يقال عنها، أنها عبارة عن بندقية للإيجار باتت منتهية الصلاحية. والبدايات الفاشلة تقود إلى نهايات فشلها محتوم.

يوماً بعد يوم يتأكد أن السعودية تخاطب جماهيراً تجهلها، وتزج جيوشها في ميادين لا تعلم جغرافيتها ولا تفاصيلها… بثقة قالها الفيصل: أنا أيضاً أريد إسقاط النظام، دون أن يلتفت إلى سقطته المدوية. صحيفة “المدن” الممولة من السعودية نشرت مقالاً قالت فيه إن “جمهور النظام السابق، أي نظام الشاه، يتمتّع بتمثيل أوسع من “مجاهدي خلق”، ومع ذلك لم يتم تمثيله بشكل واسع في المؤتمر. ما يجعل التساؤل عن المعنى الحقيقي للرسالة السعودية، بدعم منظمة لا ثقل داخلياً لها في إيران، وتحييد السلفية-الجهادية من جهة، والمجتمع المدني المناهض لنظام الحكم الإسلامي من جهة أخرى “. أضاف المدن: “لا شك أن النزعة القومية الإيرانية أعلى بكثير من أي نزعة تغييرية أخرى. بمعنى أن نشاط “مجاهدي خلق”، لا يلقى قبولاً داخل إيران، وهي لديها بعض التمثيل في الخارج. أما في الداخل وبمجرّد ربط أي تحرّك للمعارضة الإيرانية، بأي جهة دولية أو عربية، فهذا من شأنه انتاج نفور داخلي تجاه هذه الحركة الاعتراضية ونشاطها، لأن النزعة القومية ستتغلب على أي نزعة إعتراضية، والاتهام بالعمالة والتبعية سيكون جاهزاً فوراً”.

فات تركي الفيصل أن ذاكرة الإيرانيين أقوى من الذاكرة السعودية، وفق ما تبيّن. لا مكان بينهم لمن لطخت أيديه بدمائهم، فصورة منظمة خلق تماثل صور جرائم صدام حسين التي ارتكبها بحق الإيرانيين على مدى 8 سنوات، من حرب دعمتها السعودية نفسها. والخلاصة الأهم أن أي مباركة سعودية من شأنها أن تسقط أكبر المعارضات الإيرانية… لذا فإن الفيصل الطامح لـ “لإسقاط النظام”، أسقط نفسه!


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات