الإرهاب التّكفيري .. والخطر على مستقبل الأديان

 

اكد الباحث و الخبير المغربي "مصطفى قطبي" إن مشروع ''التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي'' للدول العربية لن يمر ، ولن يكتب له النجاح، ولن يعيش كما يتوهم أصحابه و صنّاعه و هم يحاولون في كل مرة تصنيع ما يعكر صفو الوئام الإسلامي و العربي ، و اضاف : نبشر المتآمرين أنه مثلما سيسقط مشروعهم التكفيري الإرهابي الذي يتبنونه ، فان كل محاولاتهم ومشاريعهم الفتنوية، ستسقط أيضاً طالما بات مكشوفاً للقاصي والداني إلى أين سيأخذ هذا المخطط المنطقة العربية والإسلامية وماذا سيفعل بها .

 

 

 

و کتب هذا الخبیر فی مقال لوکالة "تسنیم" تحت عنوان : ((الإرهاب التّکفیری ... والخطر على مستقبل الأدیان...!)) جاء فیه :

 

المتابع لما یجری فی المنطقة العربیة یلاحظ، أنّ ثمة نیراناً طائفیة ، لکنها لیست حتمیة، إنما بفعل فاعل، أنى اختفى هذا الفاعل خمدت ألسنة النیران... هذه جرائم إحراق متعمدة یضرمها قادة متنوعو الوجهات الجغرافیة ، و أن جمعهم ضیق وقصر النظر سیاسیاً واقتصادیاً وأمنیاً یحاولون الباس المنطقة منطق صراع مغایر لواقعها الحقیقی من أجل التأثیر علیها فی صمیمها ، باعتبار المفهوم المذهبی أداة تفجیر خطیرة . فإذا ما انفجر الوضع على هذا الأساس فلن یبقى من الأمة ما یذکر بها لاحقاً . وهذا یستوجب جعل الدین الذی نؤمن به ینقسم، ویصطرع بمذاهبه .

 

لقد تقرّر لنا نحن العربَ ـ باسم فئة منا مسلمةٍ مثلنا ـ أن نفهم بأن «إسرائیل» لیست عدوّنا التاریخی؛ بل عدوّنا مَنْ یعمل على تحریرنا منها وأن «إسرائیل» عاملُ تخلیصٍ لنا من مذاهبنا السیاسیة التی تعکس مشاریعنا، ورؤانا الوحدویة لکی ندخل فی سیاسات الحروب المذهبیة. ولم یعد مقبولاً فینا عالم سُنّی یتحدث عن الإسلام الربّانی السمح، کما لا یجوز أن یبقى بیننا عالم شیعی ینطلق من وحدة المذاهب الإسلامیة، ووحدة الدین والتدیّن بالطرق المختلفة إلى الله. ویجب أن لا تتعایش الأدیان على أرضنا العربیة، والمسیحیون یجب أن یُهجّروا.

 

فلا مذاهب سیاسیة مقبولة لنا نحن العرب الیوم، بل المقبول الوحید لنا هو سیاسات الحروب الطائفیة، والدینیة حتى نموت جمیعاً، ویتخلّصُ الحلف الصهیو ـ أمیرکی من الفوائض البشریة التی تُسمّى العرب. وللأسف المأسوف علیه، فإنّ عدیدین من الفقهاء لا یقرؤون مخططات الأعداء عن تدمیر قوات کافة الدول العربیة التی تشکل خطراً أو قد تشکل خطراً على «إسرائیل»! لم یقرؤوا مخطط ''برنارد لویس'' عن تفتیت الدول العربیة إلى 42 دویلة مذهبیة، طائفیة، إثنیة متحاربة فیما بینها لتغییب صورة الصراع التناحری مع العدو الصهیونی، کمظهر للصراع الأساسی فی المنطقة!

 

وکان زبغنیو بریجنسکی، مستشار الأمن القومی فی عهد الرئیس الأمیرکی جیمی کارتر، قد أسَّس نظریًّا لسیاسة ''التفتیت الطائفی والمذهبی والعرقی'' للدول العربیة، داعیاً الرئیس کارتر إلى التغییر فی الشرق الأوسط بما یجعل اتِّخاذ الطائفة والمذهب هویة للناس فی البلاد العربیة أمراً ممکناً وسهلا؛ أمَّا کیسنجر فتحدّث عن أهمیة وضرورة جَعل العالم العربی ''أقلیات'' من طریق تمزیق دوله دینیاً وطائفیاً ومذهبیاً، وإقامة إمارة عند کل بئر نفط؛ فهذه الطریق هی عینها الطریق إلى «إسرائیل العظمى» .

 

هذا المخطط القدیم/الجدید، یأخذ فی کل مرة ظواهر مختلفة لکنه لا یحید عن الجوهر، ولعل من استولد التنظیمات الارهابیة من ''داعش'' و ''النصرة'' وأخواتهما، هو من یعمل الیوم جاهداً من أجل سیطرتها على المنطقة لکی تکون البدیل للمقاومات القائمة، وبالتالی هی فی خدمة «إسرائیل» لأنها تحقق لها مشروعها التاریخی الذی عجزت عن تحقیقه بقوتها الذاتیة أو عبر کل المساعدات التی قدمت لها .

 

فبعد الجیل الأول من الإرهاب المتمثل فی تنظیم القاعدة والذی من خلاله حورب الاتحاد السوفیتی السابق فی أفغانستان ، و بذریعته احتل الصهیو ـ أمیرکی هذه الدولة، وبذریعته مورس التدخل السیاسی والعسکری فی الیمن والسودان والعراق وغیرها، وبذریعة محاربة هذا الإرهاب حورب الإسلام، وبذریعة تجفیف منابعه منعت کل أشکال التعاون والتکافل الخیری ، و تحدیداً دعم الشعب الفلسطینی ومقاومته، وجمیع حرکات التحرر العربی المقاومة للاحتلال الصهیونی، وبذریعة محاربته ظلِمت دول وحوصرت وعوقبت، وأوذوا أبریاء لا لشیء سوى لمواقفها ومواقفهم الواضحة والشجاعة من الظلم والاحتلال الصهیونی، والازدواجیة وسیاسة الکیل بمکیالین الأمیرکیة، ها هو الحاکم بأمره (الصهیو ـ أمیرکی ـ الخلیجی) یقدم آخر ما فی جعبته وخزائن إنجازاته الخبیثة والمتآمرة ألا وهو الجیل الثانی من الإرهاب المتمثل فی تنظیم ''داعش'' الذی عمل على تربیته وتسمینه فی العراق، ومثلما عمل على نشر جیله الأول فی أصقاع العالم والمنطقة، وتوظیف فزاعته لدى الدول المستهدفة لابتزازها، یواصل نشر جیله الثانی ''الداعشی'' فی کل شبر من المنطقة والعالم، موظِفاً أیضاً فزاعته من أجل الابتزاز والاحتیال على النحو المشاهد من فتح خزائن البترودولار بحجة ردع هذا المارد ''الداعشی'' وإبعاد خطره، فی الوقت الذی تدور فیه تروس مصانع السلاح الصهیو ـ أمیرکیة والغربیة بأقصى سرعتها تحت کذبة دعم (المعارضة المعتدلة). وبعد الاعتقاد بأن هذا الجیل الثانی ''داعش'' وبموازاة أخواته من ''النصرة إلى الجیش الحر والجبهة الإسلامیة وأحرار الشام و ''جیش الفتح'' وغیرها یمکن التعویل علیه فی تحقیق الأهداف والأجندات فی العراق وسوریا ولبنان والیمن ولیبیا، وبالتالی یتبقى مسرحان للعملیات أمام هذا الجیل الثانی وهی مصر والجزائر، وبذلک تکون المنطقة ـ حسب العقل المخطط للصهیو ـ أمیرکی ـ قد اکتملت فیها مشاهد الفوضى الهدامة والإرهاب التی حرص على تغذیتها بالفتن الطائفیة والمذهبیة.

 

نعم هناک مشروع استعماری یهدف إلى إرجاع العالم العربی قروناً إلى الوراء، من أجل تحقیق ثلة من الأهداف... ومن أبرزها: حفظ أمن الکیان الصهیونی وتحقیق أهدافه فی السیطرة الکاملة على المنطقة. هذه التنظیمات لم توجد لتحریر فلسطین بالطبع، ففلسطین آخر همها، لذا لم ولا ولن تطلق هذه الجماعات طلقة واحدة باتجاه العدو الصهیونی... ونتحداها أن تطلق طلقة واحدة باتجاه الکیان، الذی یستقبل جرحاها فی مراکز علاجیة أنشأها خصیصاً منذ بدایة الأحداث فی سوریا، ثم یقوم بنقلهم إلى مستشفیاته فی الوقت الذی یقتل ویذبح ویشوی حرقاً أطفالنا؟! ولإثبات الصراع على أسسه الحقیقیة التی تنطلق من مفهوم مشروع، نقرأ فی خارطة المنطقة، فما یجری فی سوریا لا تتشکل فی داخله على الإطلاق مفاهیم مذهبیة، یترکز الصراع بین عصابات تکفیریة یعتدون على دولة قائمة، وهذه العصابات وعاء للصوص وهاربین من الجندیة ومتآمرین سابقین هربوا من السجون أو کانوا فارین من وجه العدالة وبعض الفارین من خدمة العلم إضافة إلى مجامیع إرهابیة تکفیریة من دول مختلفة غیر مرغوب بها فی بلادها لأسباب متعددة منها جرمیة... صراع حولته دول قادرة مالیاً إلى ما تسعى إلیه من تغییر الدولة والنظام، فأنشأت لها أذرعاً منظمة على الطریقة الفاشیة، أی مرتبطة برأس مدبر یعرف مسار الأمور ویدیر المعارک بمعرفة وحرفة. وفی سوریا أیضاً من یقاتل لتقسیمها ولتدمیر ما تبقى من قوة لها بصورة لا تقبل تفسیراً سوى التآمر علیها فی وقت المحنة... وفی سوریا ما یسوِّغ أموراً وضدها مما یدمی الشعب ویکرِّه الناس بالحیاة جراء ممارسات وأوضاع لا یطیقها الإنسان... وکل ذلک یصب فی إضعاف الدولة، وتمزیق المجتمع، وإضرام نار الفتنة بصورها وأشکالها المذهبیة والعرقیة والطائفیة و...؟!

 

فی العراق یحاولون الإیحاء بقوة الدفع الخارجی أن ما یجری صراع مذهبی من أجل إعطائه تسمیة سموم، لکن الحقیقة تقول أن حقیقة هذا الصراع قائمة على قواعد سیاسیة ومنضبطة على صراع مشروعین أیضاً متکرسین من الخارج ومنقادین بقوى داخلیة. ولا یکاد یختلف الوضع فی الیمن کثیراً عنه فی العراق وسوریا من حیث الاصطفافات المذهبیة على الخصوص ومخاطرها، فهناک فی الیمن یأخذ خروج الحوثیین على الدولة وإحکام قبضتهم علیها، صبغة مذهبیة، شیعیة سنیة، على الرغم من وجود شرکاء آخرین للحوثیین فی خروجهم ذاک. وفی الیمن أیضاً کما نعرف أماکن وقواعد للقاعدة ولداعش، وفیه مواجهات بین القاعدة والجیش الیمنی منذ سنوات، وکل ذلک أصبح الیوم یؤطر لحرب تصب فی الفتنة المذهبیة، السنیة الشیعیة ، تقودها السعودیة ودول التحالف فی عاصفة الحزم. وفی لبنان، تشتعل محاور الصراع ثم تنطفئ، ولا یبدو أنها قابلة لأخذ الصورة التی یتوخى البعض قیامها.. إن عناصر المذهبیة متوفرة فی هذا البلد الصغیر، لکنها غیر قابلة للاشتعال مهما حاول الفاعلون إضرام نارها. ثمة مشروع واضح یقوده المشروع الأکبر المؤسس فی المنطقة (السوری الإیرانی العراقی مغطى بالروسی)... وفی مصر لیس هنالک من ذکر للمذهبیة، صراعها منذ أن بدأ هو تغییر النظام، وحین رحل حسنی مبارک تحولت إلى قواعد جدیدة ما لبثت أن ثبتت على حکم الإخوان المسلمین، ثم جاء وقت اقتلاعه فظل الصفة الحاکمة للصراع بین مشروعین داخلین محکومین بتداخلات خارجیة کالعادة. وفی تونس، تتکرس مفاهیم الصراع بین مشروعین لا وجود للمفهوم المذهبی بینهما... وفی لیبیا یستمر الانقسام، وتستمر الحرب المجنونة، وإحراق الذات بالذات، وتتواصل الاتهامات وتتفاعل، وتتضاعف صور الانفلات وأشکاله وألوانه، فیصبح هناک من یُحسَبون على الإرهاب، ومن یبایعون داعش، ومن یخوضون حرباً ضد الإرهاب، وأخرى تعلن عن رغبة فی تقسیم لیبیا إلى دویلات، وهناک أیضاً من یخوضون جهاداً لإعلانها دولة إسلامیة.. وفیها من یمارس أفعالاً تؤدی إلى إثارة فتنة طائفیة بوحشیة دمویة کریهة لا أظنها تتم من غیر تحریض أو تطرف أعمى...

 

ویضاف إلى کل هذه الأفعال المأساویة، مما سبقت الإشارة إلیه هنا، وإلى الظروف التی تخلقها والتفاعلات التی تتم بسببها فی الدول والمجتمعات العربیة والإسلامیة ، ما کان من أسباب ودوافع لها ومحرضات علیها، ومن دعم وتمویل وتحریض وتجییش... مما أسس ویؤسس لانقسامات اجتماعیة عمیقة وخطیرة، وإلى اصطفاف وتحشید مذهبیین، وإلى تشکّل مفارخ وحواضن للفتنة ''سیاسیة وثقافیة وإعلامیة واجتماعیة ودینیة...''... وکل ذلک یخلق مناخ الحرب/ الکارثة ویفتح باب الاحتمالات على مصراعیه أمام انتشارها الکبیر، وبصورة لا یمکن التحکم بها. ومن الأمور اللافتة فی هذه الأوضاع والظروف والکاشفة لإمکانیة مسارعة دول عربیة، تعمل تحت إمرة غربیة، إلى دخولها بحمیَّ التبعیة واستعمال لأسلحتها بثأریة قبلیة ذات أبعاد سیاسیة استرضائیة للغرب أولاً ولمن عداه ممن یهمها أمرهم ثانیاً... على حساب کل صلات قد تربطها بغیرها من الدول والمجتمعات العربیة، وعلى حساب ما قد یستنفر الأنفس أو یتخمّر فیها من عداوات وشرور تُزرع وتُروى وتُرعى فتثمر خراباً وموتاً... وذلک نتیجة للاستغلال الشعبی الذی تمارسه أجهزة وجهات مختلفة تحت ذرائع وتفسیرات شتى... ومن ثم یؤدی ذلک إلى صراعات وعنف وإرهاب وانعدام ثقة وتقطیع أواصر وعلاقات دینیة وتاریخیة وقومیة، مما لا ینجو معه الأبریاء خصوصاً من دفع الثمن الفادح فی الحروب والصراعات السیاسیة والمذهبیة، الباردة منها والساخنة والدامیة.

 

وفی هذا السیاق، فقد اعترف نائب الرئیس الأمیرکی جو بایدن فی خطاب له أمام طلاب فی جامعة هارفارد یوم 2 تشرین أول/ أکتوبر الماضی، بأن حلفاء الولایات المتحدة فی المنطقة، قدموا ''ملیارات الدولارات وعشرات الآلاف من أطنان السلاح ''للمقاتلین ''السنة''! الذین یحاولون الإطاحة بحکومة الرئیس السوری بشار الأسد. وقال بایدن إن ''مشکلتنا الکبرى کانت حلفاءنا فی المنطقة... کان همهم الوحید إسقاط بشار الأسد، لذلک شنوا حرباً بالوکالة بین السنة والشیعة، وقدموا مئات الملایین من الدولارات، وآلاف الأطنان من الأسلحة إلى کل الذین یقبلون بمقاتلة الأسد''.

 

لقد وضّح نائب الرئیس فی اعترافه مسألتین رئیسیتین، الأولى هی: أن حلفاء بلاده ورکائزها فی سیاساتها وخططها فی المنطقة، شارکت فی حرب دمویة لإشاعة عدم الاستقرار وإثارة النزاعات والصراعات فی المنطقة. وأن المسألة الثانیة: وهی الهدف من کل ما جرى هو تکریس الحروب بین الطوائف والمذاهب الدینیة، وبخاصة بین طائفتی السنة والشیعة بین المسلمین، وهو الهدف المرکزی الذی خطط له، ووضع فی مهمات الغزو والاحتلال والتوسع الامبریالی والهیمنة الاستعماریة، والتواطؤ معها والتخاذل فی النهایة إزاء المصالح الوطنیة والقومیة وتدمیر المنطقة وثرواتها وطاقاتها ومستقبل أجیالها. ویحق لنا أن نتساءل لماذا العزف على أوتار النیران الطائفیة بالتحدید فی هذه المنطقة دون غیرها من أوتار الصراعات کالأعراق مثلا؟

 

الجواب به لمحة فلسفیة تعود بنا إلى التفریق بین المطلق والنسبی. فالأدیان والمذاهب والطوائف هی مقدسات من سبیل المطلق الذی لا یعرف التعایش أو التعددیة مع الآخر عندما تصل به حالة التطرف إلى حدها الأقصى ـ خذ جماعة ''داعش'' مثالا على ذلک ـ أما النسبی فهو القضایا السیاسیة الخلافیة التی یمکن للمرء التوصل فیها إلى موائمات وتوافقات بینیة وسطیة. على هذا الأساس فإن الأیادی التی تشعل النیران فی الشرق الأوسط والعالم العربی، تدرک جیداً الخلفیات الدینیة، والمرجعیات الثقافیة والفکریة لشعوبه، وصانع القرار فی الغرب عادة ما یلجأ إلى بعض من أساطیر الفکر والعارفین ببواطن الأمور فی المنطقة، وقد وجد فی الولایات المتحدة الأمریکیة على سبیل المثال من هذه النوعیة نموذجان، الأول مثله ''برنارد لویس'' بطریرک الاستشراق، والأب الفعلی لنظریات صدام الحضارات عند هنتنجتون، وهو السبب الأول والمنظر الأول لتفکیک العالم العربی، والمنادی الأول أیضاً بإعادة رسم خریطة الشرق الأوسط بما یتفق والمصالح الکونیة للدول الرأسمالیة العظمى، وفی سیاق ذلک کان لابد من اللعب على أوتار الطائفیة الدینیة، وهو الخبیر بتاریخ الإسلام والمسلمین فی العالم العربی منذ زمان الوحی ونزول الرسالة حتى زمن الاحتلال الإنجلیزی للبلاد. أما الثانی فقد کان البروفیسور ''فؤاد عجمی'' الذی رحل عن عالمنا مؤخراً والذی لعب بدوره عاملاً فاعلاً ومؤثراً فی دفع إدارة ''جورج بوش'' الابن فی طریق غزو العراق، ودفع إدارة ''أوباما'' دفعاً من وراء وأمام الستار لتفکیک سوریا، وإشعال الحرائق الطائفیة فیها، لاسیما بین العلویین والسنة، حتى آل الأمر إلى ما هو علیه.

 

والمؤکد أن راسمی تلک الخرائط المشتعلة یدرکون أن تعددیة المطلق، أی الأدیان والمذاهب والطوائف، تعددیة زائفة لأن المطلق بحکم تعریفه واحد لا یتعدد، وإذا تعدد فصراع المطلقات حتمی، وتسایر هذا القول نتائج الأبحاث التی أجریت على الصراع فی مجتمعات متباینة، وهی أن الصراعات الاقتصادیة تدور على الخیرات القابلة للقسمة، وهی لهذا صراعات قابلة للتفاوض، ومن ثم من المیسور حلها، وعلى الضد من ذلک الخیرات التی لا تقبل القسمة فإنها لا تقبل التفاوض، وصراع المطلقات من هذا القبیل. غیر أن فشل مشروع تقسیم المقسّم وتجزیء المجزأ، فتح شهیة الذین وضعوا مخططاته إلى تأجیج حروب دینیة جدیدة تحت مسمیات طائفیة ومذهبیة وقومیة فیما شهدناه ونشهده الیوم فی غیر عاصمة عربیة وإسلامیة من احتقانات الفتن ومحاولات تقسیم الشرق الأوسط باسم الدین لإحکام السیطرة على دوله الممزقة وأنظمته الضعیفة: ''لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِینَ آمَنُواْ الْیَهُودَ وَالَّذِینَ أَشْرَکُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِینَ آمَنُواْ الَّذِینَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِکَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّیسِینَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ یَسْتَکْبِرُونَ'' ـ (المائدة: 82). ولیس خفیاً على الباحثین والعلماء ما ینطوی علیه هذا الإرهاب من خطر على مستقبل الأدیان کلها فلم یکن العنف وسیلة فی أدیان السماء التوحیدیة ولم یکن الأنبیاء بطبیعة شرائعهم إلا رسل محبة ورحمة وتسامح، وتلک هی الحقیقة التی یجب أن نواجه بها سؤال الحروب الأیدیولوجیة والعقائدیة لنفصل بالهدایة القرآنیة بین الحروب الظالمة والحروب العادلة وتأکید الخطاب القرآنی بأن غایة الدین هو السلام وفض الخصومات والعداوات لأن المتضرر من الحروب کلها هو الدین بجوهره الإنسانی والسماوی.

 

خلاصة القول: رغم الضخ المستمر على المذهبیة التی باتت ظاهرة ولم تعد خافیة ، فإن مشروع ''التفتیت الطائفی والمذهبی والعرقی'' للدول العربیة لا زال یتعثر، ولسوف یظل کذلک إلى أن یتم إغلاق البؤر الفاسدة الإرهابیة التی یتم قتالها، فإن تم الانتصار علیها نهائیاً تحقق الشرط الأساسی بسد منافذ الخطر على المسلمین وبالتالی على المنطقة برمتها. وبکل معرفتنا لقوى الأمة نقول، إن هذا المشروع لن یمر أیضاً، ولن یکتب له النجاح، ولن یعیش کما یتوهم أصحابه وصناعه وهم یحاولون فی کل مرة تصنیع ما یعکر صفو الوئام الإسلامی والعربی. ونبشر المتآمرین على أمتنا العربیة والإسلامیة أنه مثلما سیسقط مشروعهم التکفیری الإرهابی الذی یتبنونه، ستسقط أیضاً کل محاولاتهم ومشاریعهم الفتنویة، طالما أنه بات مکشوفاً للقاصی والدانی إلى أین سیأخذ هذا المخطط المنطقة العربیة والإسلامیة وماذا سیفعل بها.

 

 


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات