إيران.. أيقونة صمود من 1979 وحتى اليوم

 

لعل الحديث عن مواقف بعض القوى الدولية والاقليمية تجاه الجمهورية الاسلامية الايرانية، منذ انتصار الثورة في العاشر من شباط/فبراير 1979 وحتى الان، يعد حديثا شائكا ومتشابكا ومعقدا الى حدٍّ كبير.

 

 

ولا شك للوهلة الاولى انه يمكن القول ان مجمل تلك المواقف كانت وما زالت سلبية وعدوانية، وبعيدة كل البعد عن الانصاف والموضوعية.

 

 

وقد استخدمت الولايات المتحدة الاميركية وعدد من القوى الدولية والاقليمية كل الوسائل السياسية والاقتصادية والاعلامية والمخابراتية لتحجيم ايران واضعافها ثم اسقاط وافشال ثورتها، وقد كانت الكثير من تلك الوسائل رخيصة ومبتذلة، وبعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ الاخلاقية والانسانية السليمة، واستندت الى المنهج الميكيافيلي السيء، الذي لا يقيم وزنا ولا اعتبارا الا للمصالح الخاصة بصرف النظر عن النتائج والاثار السلبية المترتبة عليها. ولعل ما شهدته المنطقة خلال العقود الاربعة الاخيرة من ماسٍ وويلات يكفي دليلا على ذلك.

 

 

وهنا في هذه السطور سنسلط الضوء على عدة مراحل، لنستجلي صورة تلك المواقف والتوجهات، ونخرج بمعطيات ونتائج واضحة وواقعية:

 

 

والمراحل الثلاث هي:

 

 

-المرحلة الاولى: الحرب المفروضة (1980-1988)

 

 

-المرحلة الثانية: خلط الاوراق في الحرب الثانية

 

 

المرحلة الثالثة: ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق 2003

 

 


 

-المرحلة الاولى: الحرب المفروضة (1980-1988)

 

 

لا يختلف اثنان في ان انتصار الثورة الاسلامية بزعامة الامام الراحل الخميني (قدس) افقدت القوى الغربية لاسيما الولايات المتحدة الاميركية احد اهم وابرز حلفائها - او قل ادواتها - في المنطقة، الا وهو الشاه محمد رضا بهلوي، ما جعلها تجنّد وتعبئ كل امكانياتها وطاقاتها لمحاربة الثورة الفتية وافشالها وقتلها في المهد، لذلك لم يك غريبا ان تتلقى الثورة بقياداتها ورموزها وجماهيرها السهام من كل حدب وصوب.

 

 

ولعل شن الحرب عليها من قبل النظام البعثي الحاكم في بغداد حينذاك بتخطيط ودعم وتمويل وتوجيه من عدد كبير من القوى الدولية والاقليمية، مثل الخطوة الاولى في مسيرة العدوان والتآمر على الثورة الاسلامية الايرانية.

 

 

ويقول الكاتب المصري مجدي كامل في كتابه الموسوم (كيف تبيع امريكا اصدقاءها؟)، "ففي حربه مع ايران كان فريق كامل من وكالة المخابرات الامريكية (سي اي ايه) متواجدا في بغداد باعتراف وفيق السامرائي احد اعمدة سلطة القمع الصدامية خاصة في حربه على ايران، حيث كانت طائرات الاواكس المتواجدة في المنطقة تزود العراق بكل تحركات القوات الايرانية وكانت المشاركة الاساسية في عملية اعادة الفاو للعراق وطرد القوات الايرانية منها. وشاركت كل دول العالم الغربي بتزويد النظام الدكتاتوري بكل وسائل القمع والقتل والابادة البشرية دون استثناء، ومن ضمنهم من كان ينادي بإحلال السلم في العالم من المنظومة الاشتراكية السابقة".

 

 

ويضيف كامل في كتابه "وشمرت امريكا عن سواعدها لدعم النظام الدكتاتوري في حربه الكارثية ضد ايران وكانت قوات امريكية تبدأ العمل منذ منتصف الليل حتى طلوع الفجر لنقل المعدات والاسلحة على اختلاف انواعها لصب الزيت على النار المشتعلة بين الدولتين".

 

 

وقد راهنت القوى المساهمة في اشعال نار الحرب على أن اسابيع قلائل ستكون كافية لاسقاط النظام الجديد في ايران، وبالتالي اعادة الامور الى ما كانت عليه قبل العاشر من شباط/فبراير 1979، وبعد حين من الزمن اتضح ان تلك المراهنات خاسرة، فالحرب لم تنته خلال اسابيع، وايران التي تراجعت خلال المرحلة الاولى من الحرب، نجحت في استعادة زمام المبادرة، وشرعت بتحقيق انتصارات ميدانية مهمة جعلت خصومها واعداءها يتخبطون ايما تخبط.

 

 

والى جانب الحرب المفروضة، راحت القوى الغربية تعمل على اثارة الاضطرابات في الساحة السياسية والشارع الايراني، من خلال التفجيرات وعمليات الاغتيال للرموز الدينية والسياسية والفكرية للثورة.

 

 

ومن بين ابرز الذين تم تصفيتهم من خلال العمليات الارهابية، آية الله الشيخ مطهري، وآية الله طالقاني، وآية الله حسين بهشتي، والرئيس محمد علي رجائي، ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر، واية الله صدوقي، وايه الله مدني ، واية الله دستغيب، واية الله لبافي نجاد، فضلا عن تعرض اية الله العظمى سماحة الامام السيد علي خامنئي لمحاولة اغتيال.

 

الى جانب ذلك، قامت الجماعات الارهابية التي شكلتها ودعمتها وعبأتها واشنطن وقوى دولية واقليمية اخرى، بتنفيذ عمليات استهدفت مبنى مجلس الشورى الاسلامي، ومقر الحزب الجمهوري، وكان ذلك في صيف عام 1981.

 

 

وساهمت القوى الخارجية المعادية للثورة في ايجاد منظمة ما يسمى بـ"مجاهدي خلق" لتكون لها الاداة الرئيسية لتنفيذ ابشع الجرائم، التي ادت الى سقوط الاف الضحايا من الناس الابرياء.

 

 

الامام الخميني

 

 

ويقول السيد علي الخامنئي في حديث له بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة والعشرين لتفجير مقر الحزب الجمهوري "ان لبلادنا سبعة عشر الف شهيد ضحايا الاغتيال، من عامة الشعب، ففيهم المهني والمزارع والموظف واستاذ الجامعة وحتى المرأة والطفل، الا ان الذين ارتکبوا هذه الاغتيالات فإنهم متواجدون اليوم بحرية في الدول المتشدقة بحقوق الانسان".

 

 

ويشير السيد الخامنئي الى "ان الذين يسعون للتغطية على العداء الخبيث الذي تمارسه اميرکا وبعض السائرين في رکبها للثورة الاسلامية ولشعبها، انما يرتكبون الخيانة بحق الشعب والبلاد متجاهلين دروها في رعاية الارهاب في ايران".

 

 

وما زالت منظمة منافقي خلق تحظى بدعم كبير جدا من القوى الغربية الكبرى، فقبل فترة ليست بالبعيدة رعت فرنسا مؤتمرا لتلك المنظمة تحت عنوان "لنعمل على اسقاط نظام ايات الله في ايران"، حضره ممثلون عن اجهزة المخابرات البريطانية والفرنسية الاميركية والاسرائيلية، اضافة الى السفير الاسرائيلي في باريس ودبلوماسيين لبعض دول مجلس التعاون الخليجي والاردن.

 

 

وقد استخدم نظام صدام منظمة منافقي خلق ووظفها في حربه ضد الجمهورية الاسلامية بتشجيع واسناد من الولايات المتحدة وفرنسا ودول اخرى، وقد باتت في وقت من الاوقات احد اذرع جهاز المخابرات العراقية التي من خلالها حاول نظام صدام الوصول الى الداخل الايراني. الى جانب تقديم الدعم المالي والعسكري لجماعات معارضة للقيام بعمليات ارهابية، كما هو الحال بالنسبة لاحزاب تدعي تمثيل الاقليات مثل حزب بيجاك الكردي، او ما يطلق عليه المجلس الوطني الاحوازي، او الجبهة العربية لتحرير الاحواز.

 

 

المرحلة الثانية: خلط الاوراق في الحرب الثانية

 

 

على الرغم من ان نظام صدام والقوى الدولية الاقليمية حاولوا تصوير نهاية حرب الثمان سنوات وكأنها انتصار مهم وكبير للعراق، الا ان مجمل الوقائع والارقام والمعطيات اكدت خلاف ذلك، وابرزها ما اقرته الامم المتحدة من خلال لجانها المتخصصة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب، وعليه ان يدفع تعويضات لايران بقيمة مئة وستين مليار دولار. فضلا عن ذلك فإن ايران اطلقت برامج للتنمية والبناء والاعمار والنهوض في مختلف المجالات، بينما راح العراق في ظل نظام صدام يفتح جبهات صراع ومواجهة اخرى، تكللت بعد عامين بغزوه لدولة الكويت، التي كانت من ابرز القوى التي ساندته ودعمته في حربه ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية.

 

 

ولاحت محاولات لاقحام وتوريط ايران بطريقة او بأخرى بحرب الخليج الثانية، لكن صناع القرار السياسي الايراني كانوا على قدر كبير من الحكمة ورجاحة العقل، لذلك تجنبوا الوقوع في الفخ، وتبنوا موقفا عقلانيا متوازنا قطع الطريق تماما على اصحاب الاجندات والنوايا السيئة، وهذا الموقف منح قوة اكبر ومكانة افضل لايران في محيطها الاقليمي، وفي الوضع الدولي على وجه العموم، بيد انه في الوقت نفسه زاد من حنق وحقد الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل وقوى دولية واقليمية اخرى عليها.

 

 

وهنا اتجهت تلك القوى للعمل والتحرك باتجاهين، الاول زيادة الضغوط والعقوبات الاقتصادية على الجمهورية الاسلامية، والاتجاه الثاني، الاستمرار بتقديم الدعم والاسناد للمعارضة الايرانية، وتحديدا منظمة منافقي خلق حتى تخلق المزيد من المتاعب لطهران، على امل ان تنجح بتقويض امنها واستقرارها، وبالتالي تصل الى هدفها النهائي والمنشود، المتمثل بإسقاط النظام.

 

 

ومعروف ان مسيرة الضغوطات والعقوبات الاقتصادية الاميركية ضد ايران انطلقت بعد انتصار الثورة الاسلامية عام 1979 بوقت قصير جدا، وتواصلت حتى يومنا هذا، ففي ذلك العام اعلن الرئيس الاميركي حينذاك جيمي كارتر حالة طوارئ تقتضي تجميد كل الاصول الايرانية في المصارف الاميركية.

 

 

وفي عام 1992 اتخذت واشنطن خطوة اخرى في هذا السياق حينما فرضت عقوبات على الاشخاص والشركات التي تساعد ايران في تطوير برامجها التسليحية، ثم اصدر الرئيس الاميركي بيل كلنتون في عام 1995 اوامر تنفيذية تمنع الشركات الاميركية من الاستثمار في قطاعي النفط والغاز الايرانيين. وفي عام 2008 منعت واشنطن المصارف الاميركية من ان تكون وسيطا في تحويل الاموال من والى ايران، وفيما بعد، وتحديدا في عام 2010 وضعت واشنطن قيودا اخرى على امدادات الوقود الايراني التي تعتمد على

 

المنتجات المكررة، وفي عام 2012 جمدت ارصدة مؤسسات مالية اجنبية كانت لها علاقات تجارية مع البنك المركزي الايراني.

 

 

الى جانب ذلك فقد اصدر مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة للفترة ما بين عامي 2006 و2010 ستة قرارات فرض بموجبها عقوبات اقتصادية على ايران، هي القرارات (1696 و1737 و1747 و1803 و1835 و1929، وكل تلك القرارات اريد من ورائها محاصرة ايران اقتصاديا، ومنعها من مواصلة بناء برنامجها النووي السلمي، واثارة الشارع الايراني ضد الحكومة.

 

 

أضف الى ذلك أن الاتحاد الاوروبي تبنى هو الاخر فرض قيود وعقوبات على طهران تماشيا مع الاجندات والتوجهات الاميركية ومن يدور في فلكها ويتماشى معها. ففي عام 2010 جمد الاتحاد الاروبي انشطة عدد من المصارف الايرانية، وفي عام 2011 جمد ارصدة 433 جهة ايرانية، و113 شخصا تم منعهم من الحصول على تأشيرات دخول الى دول الاتحاد الاوربي، ليقوم في عام 2012 بحظر جزء من التعاملات المالية مع البنك المركزي الايراني، لتتبعه الخطوة الاخرى في اواخر العام المذكور، المتمثلة بفرض حظر

 

كامل على استيراد المنتجات النفطية الايرانية، علما ان عددًا من دول الاتحاد لم تلتزم بذلك القرار.

 

 

واللافت ان صدور قرارات مجلس الامن واجراءات الاتحاد الاوربي، وقيود الولايات المتحدة على ايران جاءت في فترة زمنية واحدة، حتى ليبدو ان هناك تنسيقا وتخطيطا بين اطراف عديدة لاحداث اكبر قدر من الضغوط على الجمهورية الاسلامية الايرانية.

 

 

وقد يقول قائل، ان العقوبات الاقتصادية ليس لها علاقة بالارهاب ودعم ومساعدة الجماعات الارهابية للعمل ضد طهران، ومثل هذا القول يجانب الواقع الى حد كبير، لسبب بسيط جدا، الا وهو ان واشنطن وحلفاءها واصدقاءها واتباعها المعادين لايران وجدوا في العقوبات والحصار الاقتصادي اداة فاعلة جدا لايصال القيادة الايرانية الى طريق مسدود، من خلال تأزيم الاوضاع السياسية والامنية على خلفية الازمات الاقتصادية التي غالبا ما تتسبب بارتفاع الاسعار والتضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية مقابل الدولار والعملات الاجنبية الاخرى.

 

 

الامام الخميني

 

 

في مقابل ذلك، فإن واشنطن والقوى الاخرى قدموا كل اشكال الدعم السياسي والمالي وحتى العسكري لمنظمة خلق وجماعات اخرى، رغم الكم الهائل من الوثائق التي اميط اللثام عنها، والتي اثبتت ارتكاب تلك المنظمة جرائم كثيرة وكبيرة ضد ابناء الشعب العراقي، فضلا عن الشعب الايراني، وكانت اداة طيعة بيد نظام صدام، ورغم ان الولايات المتحدة صنفتها ضمن قائمة الجماعات الارهابية التي تصدرها وزارة الخارجية الاميركية سنويا.

 

 

وانعكس ذلك الدعم على عمليات ارهابية عديدة استهدف البعض منها اساتذة جامعيين وعلماء وخبراء في البرنامج النووي الايراني وشخصيات سياسية وعسكرية وامنية، مثل استاذا الفيزياء النووية في جامعة الشهيد بهشتي الدكتور مجيد شهرياري والدكتور فريدون عباسي في اواخر عام 2012، واستهداف اساتذة اخرين في وقت لاحق، وهم كل من الدكتور مسعود على محمدي، والاستاذ داريوش رضائي نجاد، والاستاذ مصطفى احمدي روشن.

 

 

اضافة الى ذلك، دخول منظمة خلق ومن يقف وراءها على خط دعم عصابات الاتجار بالمخدرات، وتسهيل تداوله بين اوساط الشباب الايراني لابعادهم عن القيم الدينية والاخلاقية السليمة، وقد حرصت القوى الخارجية المعادية للثورة الايرانية على استخدام كل الوسائل والاساليب الرخيصة لاحداث شرخ بين القيادة والقاعدة في ايران، ولعلها وجدت في ترويج المخدرات وسيلة مناسبة ومجدية الى جانب الوسائل الاخرى، وقد تعاملت اجهزة مخابرات دول عديدة، منها الولايات المتحدة الاميركية وباكستان والسعودية وبريطانيا وفرنسا وغيرها مع جماعات ارهابية مسلحة في افغاستان لتسهيل تهريب المخدرات الى داخل الاراضي الايرانية، وتسويقها بين اوساط الشبان والفتيات بطرق مختلفة.

 

 

 

المرحلة الثالثة: ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق(2003)

 

 

اتاح مشروع اسقاط نظام صدام واحتلال الولايات المتحدة الاميركية للعراق في ربيع عام 2003، لواشنطن الاقتراب الى طهران من جهة الغرب، بعد ان اقتربت اليها من جهة الشرق حينما غزت افغانستان في عام 2001 تحت ذريعة مواجهة نظام طالبان هناك.

 

 

وكانت واشنطن تأمل من خلال ذلك تطويق ايران ومحاصرتها من جانب، ومن جانب اخر اختراق منظوماتها الامنية وبالتالي اخلال الامن فيها، ولعل ذلك كان احد ابرز الاهداف من وراء فسح المجال للجماعات الارهابية التكفيرية لكي تتواجد وتنشط في الساحة العراقية.

 

 

ففي الوقت الذي واصلت واشنطن وحلفاؤها واصدقاؤها واتباعها الدوليون والاقليميون - ضغوطاتها الاقتصادية على ايران، ودعمها الجماعات المسلحة المعارضة، وشن الحملات الاعلامية والسياسية ضدها، وجدت في المرحلة الثالثة، بحسب تقسيمنا، ادخال ورقة الصراعات الطائفية والمذهبية في المواجهة والصراع العدواني مع الجمهورية الاسلامية الايرانية.

 

 

ومن هذه الزاوية يمكن ان نفسر سر تمدد وانتشار الجماعات الارهابية التكفيرية في العراق خصوصا والمنطقة على وجه العموم بعد سقوط نظام صدام، وكانت-ومازالت-اجندات تلك الجماعات، بدءا من تنظيم القاعدة وما ينضوي تحته من عناوين ومسميات، الى تنظيم داعش، تقوم على معاداة وتكفير مذهب اهل البيت عليهم السلام، وكل ما يمت اليه بصله، واعتباره اكثر خطرا من الكيان الصهيوني الغاصب، وهذا يعني في واقع الامر العداء لايران ومن يشترك معها في الارتباط المذهبي.

 

 

ولا يمكن للمرء ان يعقل ويستوعب حقيقة ان القوى الدولية الكبرى ومعها عشرات الدول عاجزة عن مواجهة الارهاب ودحره، سواء القاعدة او داعش، ولكن ما هو معقول ومنطقي، هو ان تلك القوى - او البعض منها التي تمسك بزمام الامور - ارادت استخدام الارهاب كورقة تضرب بها هذا الطرف، وتقلق ذاك، وتساوم وتضغط على الاخر، وهذا هو الذي يجري اليوم، في العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، وغيرها. عبر تقوية الجماعات الارهابية لاضعاف ايران ومحاصرتها وسلب زمام المبادرة من حلفائها واصدقائها، او ممن يعتقد انهم كذلك مثل حزب الله اللبناني وحركة انصار الله اليمنية، وجمعية الوفاق البحرينية، وقوى سياسية عراقية عديدة.

 

 

ولان الجماعات الارهابية التكفيرية المسلحة لا تستطيع الوصول الى ايران واختراق منظوماتها الامنية، فإنها ومن يقف وراءها قرروا منذ وقت مبكر استهداف المكون الشيعي في كل مكان، ولعل احصائية سريعة عن العمليات الارهابية في العراق، وكذلك في سوريا توضح ان النسبة الاكبر منها كان موجها لابناء المكون الشيعي، والشيء نفسه يحصل في اليمن، واخيرا اخذت الامور تنسحب الى دول الخليج، كما حصل في تفجيرات مسجد الامام علي(ع) في مدينة القطيف، ومسجد الامام الحسين (ع) في مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية، وبعدهما تفجير مسجد الامام الصادق (ع) في دولة الكويت.

 

 

وكثيرا ما يقال ان الولايات المتحدة الاميركية لا تريد القضاء على تنظيم داعش نهائيا وانما تسعى الى تحجيمه فقط، وهذا بالتأكيد يعكس حقيقة النوايا والمخططات الاميركية الغربية التي تحرص على ابقاء العراق وسوريا واليمن ودول اخرى في حالة توتر ومحاولة تصدير ذلك التوتر الى ايران، او استخدامه للحصول على تنازلات منها ما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني، ولتقليص دعمها ومساندتها للقوى الثورية المعادية للكيان الصهيوني، وقبل ذلك وجدنا ان الولايات المتحدة ابقت على حركة طالبان ولم تقض عليها نهائيا، وبالتالي بقيت تلك الحركة تمثل مصدر توتر في كل من افغانستان وباكستان، ومصدر ازعاج وقلق وتهديد بطريقة او بأخرى لايران ولعدد اخر من دول وشعوب المنطقة.

 

 

ماذا حصل بعد كل ذلك؟

 

 

من خلال هذا الاستعراض السريع، يمكن لنا ان نؤشر الى عدة حقائق ومعطيات نراها شاخصة امامنا اليوم بكل وضوح، ومن بين تلك الحقائق والمعطيات:

 

 

-ان الثورة الاسلامية الايرانية نجحت على امتداد ثلاثة عقود ونصف في تجاوز الكثير من التحديات والتهديدات والمؤامرات التي ارادت اسقاطها، وهذا النجاح ما كان له ان يتحقق لولا حكمة القيادة الايرانية المتمثلة بمفجر الثورة اية الله العظمى السيد الخميني (قدس سره الشريف)، ومن بعده اية الله العظمى السيد علي الخامنئي، الى جانب اخلاص وولاء مختلف القيادات في المستويات الاخرى، مع شجاعة وتضحية الشعب الايراني بشتى فئاته وشرائحه الاجتماعية.

 

 

-على الرغم من العقوبات والضغوطات الاقتصادية الموجهة اليها من اتجاهات مختلفة كما اشرنا انفا، الا ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تبنت سياسة الاكتفاء الذاتي الى حد كبير وتبنت سياسة اقتصادية علمية وعملية تغلبت من خلالها على كل العقوبات والضغوطات، وباتت اليوم تشكل قوة اقتصادية لها ثقلها وتأثيرها وحضورها الفاعل، ونقطة القوة الرئيسية هنا تمثلت في عدم الاعتماد على النفط فقط، وانما ادخال الصناعة والزراعة والسياحة كمصادر اساسية للدخل الوطني.

 

 

واليوم وصلت القوى الكبرى الى نتيجة مفادها ان العقوبات والحصار على ايران لم تعد مجدية، بل انها جعلتها تبتكر بدائل وخيارات اخرى، دون ان تخضع وتتنازل.

 

 

الامام الخامنئي

 

 

-وبدلا من ان تنجح الجماعات الارهابية التي حظيت بكل اشكال الدعم والاسناد الخارجي، مثل منظمة منافقي خلق، في اسقاط النظام السياسي الايراني، فقد وجدت نفسها معزولة ومحاصرة، بل ومفككة ومشتتة، بعدما ادركت وادرك من يقف وراءها، انها عاجزة عن المحافظة على نفسها، ناهيك عن اسقاط دولة، اخفق اللاعبون الدوليون الكبار في اخضاعها واذلالها.

 

 

-على الرغم من الحملات الاعلامية (البروباغندا) المتواصلة، ومن قبل اكثر وسائل الاعلام انتشارا وتأثيرا، على الصعيد الدولي، نرى اليوم ان الشعب الايراني اكثر التحاما بقيادته، من أي وقت مضى، انطلاقا من شعوره بأن قيادته تعمل كل ما هو في مصلحته، سواء على الصعيد الاني، او المستقبلي، ولو كان الشعب الايراني بعيدا عن قيادته وفاقدا الثقة بها ويائسا منها لكانت المخططات التآمرية والاجندات التخريبية قد نجحت في تفكيك النظام السياسي والاطاحة بالثورة.

 

 

-الدعم اللامتناهي بمختلف الصور والاشكال للارهاب التكفيري - القاعدي والداعشي - من قبل القوى الدولية والاقليمية المختلفة، فشل ايما فشل في احداث تهديد حقيقي للجمهورية الاسلامية الايرانية، ومن مؤشرات ودلائل فشله، اخفاقه في احداث فتنة طائفية بالعراق بين السنة والشيعة، ناهيك عن اخفاقه في جعل ابناء المكون الشيعي يستسلمون مع الكم الهائل من العمليات الاجرامية الارهابية التي طالتهم لاثني عشر عاما، والتي تسببت باستشهاد الالاف، الى جانب اضعاف اعداد الجرحى منهم، وتدمير البنى التحتية، واستهداف المراقد والمقدسات الدينية.

 

 

ومن مؤشرات ودلائل فشله - أي الارهاب - ايضا، اخفاقه في اسقاط النظام السوري، بعد ان القى بكل ثقله منذ اربعة اعوام ونصف لتحقيق هذا الهدف لكن دون جدوى، وبات ذلك النظام الذي دعمته وساندته ايران بكل قوة يمثل جزءا اساسيا في أي حل للازمة السورية، وهذا ما يقوله الذين خططوا وحاولوا اسقاطه.

 

 

ومن مؤشرات ودلائل فشل الارهاب التكفيري في تهديد ايران واخضاعها، اخفاق المملكة العربية السعودية ومن وقف ويقف وراءها في هزيمة "حركة أنصار الله" في اليمن، وصياغة نظام سياسي يتماشى مع توجهاتها العدوانية ومنهجها التكفيري الوهابي.

 

 

أضف الى ذلك فإن وجود حزب الله اللبناني، وحضوره المؤثر والفاعل في سوريا واماكن اخرى وتهديده المباشر للكيان الصهيوني، يضيف قوة وتأثيرا غير قليل للجمهورية الاسلامية الايرانية، والشيء نفسه بالنسبة لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) رغم الاختلاف المذهبي-الطائفي معها.

 

 

-نجحت الجمهورية الاسلامية في محاربة ومواجهة الارهاب التكفيري بعيدا عن اراضيها، وهي بذلك تكون قد حققت هدفين، الاول

 

صيانة امنها الوطني، وافشال محاولات اختراقه، والهدف الثاني، انها انتصرت لاصدقائها وحلفائها ولمذهب اهل البيت عليهم السلام، وفي الوقت ذاته كسبت احترام وتقدير الاخرين الذين يختلفون معها، اما مذهبيا او سياسيا او عقائديا.

 

 

وكان لهذه الاستراتيجية اثر كبير في تضييق الخناق على الارهاب من جانب، ومن جانب اخر احداث توازن ضروري ولا بد منه في المنطقة، من شأنه أن يحول دون انزلاقها بدرجة اكبر الى منعطفات ومحطات خطيرة، ويجعلها اكثر ارتهانا وخضوعا للارهاب والقوى الخارجية في ان واحد.

 


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات