ألبانيا والمعايير المزدوجة... نعم لـ«مجاهدين خلق» لا للسوريين

بعدما أحكمت السلطات المقدونية إغلاق حدودها أمام اللاجئين في الأيام الأخيرة انحشر هؤلاء في اليونان المجاورة، التي تعتبر المحطة الأولى لهم بعد عبورهم بحر ايجة، وأخذوا يبحثون عن ثغرات في الجوار لكي يكملوا طريقهم إلى «أرض الأحلام» (ألمانيا وغيرها). لم يعد أمام اللاجئين سوى ألبانيا المجاورة التي يمكن أن تكون جسراً نحو مقدونيا من جهة الجنوب أو أن يخترقوا ألبانيا باتجاه الشمال ليصلوا جمهورية الجبل الأسود ومنها إلى صربيا ليكملوا الطريق المعروف عبر كرواتيا والنمسا إلى ألمانيا. ولكن موقف الحكومة الاشتراكية برئاسة إدي راما يتخبط بين الاتفاقات السرية والتصريحات العلنية حول اللاجئين السوريين خصوصاً.

زيارة كيري بين السرّ والعلن

في 14 شباط (فبراير) الفائت حرص وزير الخارجية الأميركي جون كيري على عدم تفويت المناسبة (ربع قرن على إقامة العلاقات الديبلوماسية) فقام بزيارة تيرانا لعدة ساعات فقط كانت كافية للتصريحات القوية والتفاهمات السرية بين الحكومتين الأميركية والألبانية. لعبت الولايات المتحدة، وزيارة وزير الخارجية آنذاك جيمس بيكر إلى تيرانا في 1991، دوراً كبيراً في دفع الحراك الشعبي المطالب بالديموقراطية في «آخر قلعة للستالينية في أوروبا» (ألبانيا)، وتحول العداء الألباني للإمبريالية إلى «تحالف» بعد سقوط الحكم الشيوعي في 1992. ومن هنا فقد حقّ لكيري أن يصرّح خلال زيارته القصيرة أن «ألبانيا يمكن أن تعتمد على صداقة وتأييد الشعب والحكومة الأميركيين».

ولكن الغرض الأساسي للزيارة كان وضع اللمسات الأخيرة للاتفاق السري بين الطرفين حول توطين الآلاف من مقاتلي منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة لنظام ولاية الفقيه في إيران، والموجودين حالياً في «معسكر الحرية» ببغداد. وكانت هذه المنظمة المعارضة للنظام الإيراني تحظى بدعم أميركي، ولما اضطر أعضاؤها إلى مغادرة إيران واللجوء إلى العراق رتبت لهم السلطات الأميركية «معسكر الحرية» في المنطقة الخضراء، ولكن بعد انسحاب الأميركيين من العراق وتعاظم النفوذ الإيراني في بغداد أخذت واشنطن تبحث لهم عن ملاذ آمن خارج العراق. وفي هذا السياق لم يكن يهم من يحكم في ألبانيا، الحزب الديموقراطي اليميني برئاسة صالح بريشا أم الحزب الاشتراكي اليساري برئاسة إدي راما. ففي 2012 تمّ التوصل إلى اتفاق مبدئي مع رئيس الحكومة صالح بريشا، وبناء عليه فقد جاء إلى ألبانيا حوالي 200 من أعضاء «مجاهدي خلق»، بينما استمر الاتفاق مع وصول الحزب الاشتراكي إلى الحكم في صيف 2013 وتتابع وصول المئات منهم خلال 2014-2015.

وفي الزيارة الأخيرة لكيري إلى تيرانا اتفِق على توطين ألفين آخرين من «مجاهدي خلق»، على أن تقوم الحكومة الأميركية بتقديم حوالى خمسين مليون دولار إلى ألبانيا من خلال المنظمات المتخصصة للأمم المتحدة. وطُلب من كيري أن لا يعلن عن هذا الاتفاق في المؤتمر الصحافي أو في تصريحاته اللاحقة وذلك لكي لا تستغل المعارضة الألبانية ذلك في الصراع اليومي بين المولاة والمعارضة. ومع أن رئيس الحكومة الألبانية إدي راما نفى وجود مثل هذا الاتفاق حين سئل عن ذلك في المؤتمر الصحافي إلا أن «صوت أميركا» أحرج رئيس الوزراء الألباني حين كشف في برامجه مساء ذلك اليوم (14/2/2016)، عن وصول ألف «مجاهد» من الإيرانيين خلال السنتين الماضيتين بينما تمّ الآن الاتفاق على استقبال وتوطين ألفين آخرين، وأن كيري «شكر ألبانيا على إيواء المجاهدين».

لا للسوريين الآن

مع تعاظم ضغط اللاجئين السوريين على الحدود الجنوبية الشرقية لأوروبا كان الاتحاد الأوروبي قد اتفق على خطة عمل للتعاون مع دول البلقان لكي تمتصّ جزءاً من سيل اللاجئين. ومع قيام مقدونيا بإغلاق حدودها مؤخراً توجهت أنظار اللاجئين السوريين المحتشدين في اليونان نحو ألبانيا باعتبارها جسر عبور مناسب سواء إلى مقدونيا أو إلى الجبل الأسود. وأثار التفاؤل تصريح وزيرة الاندماج الألبانية كلايدا جوشا من أن ألبانيا «لن تبني جسوراً لكي تمنع اللاجئين السوريين من عبور ألبانيا» وأن «السلطات الألبانية واعية للعدد الكبير من اللاجئين السوريين الذين قد يدخلون الأراضي الألبانية» (كوها يون 25/2/2016). ومع هذا التصريح نقلت الصحافة اليونانية المعنية بالموضوع أن السلطات الألبانية تحضّر لبناء مخيمين كبيرين في الجنوب، الأول في كورتشا والثاني في جيروكاسترا، أي في طريق عبور اللاجئين السوريين سواء إلى مقدونيا أو إلى الجبل الأسود.

ولكن هذا «التصريح الإنساني» الذي صدر عن الوزيرة جوشا في 25 شباط 2016 بمدينة كورتشا بجنوب ألبانيا القريبة من اليونان ومقدونيا نُسف في اليوم التالي (الجمعة 26/2/2016) على لسان رئيس الحكومة الاشتراكية إدي راما. فقد قال راما في هذا التصريح المفاجئ: «لا يوجد لدينا ما يبرر اللجوء إلى خيار آخر غير ما هو موجود في دول العبور. لن نفتح الحدود، ولا يوجد مبرر للقيام بذلك. ليست لدينا القوة لإنقاذ العالم في الوقت الذي تقوم الدول المجاورة بإقفال حدودها».

تجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف المتشدد من السوريين يشمل حتى أولئك الذين هم من أصول ألبانية. ففي صيف 2015 ثارت فضيحة حين رفضت السلطات الألبانية منح تأشيرة دخول نظامية لحفيدة وزير الخارجية الألبانية الأسبق محمد كونيتسا (توفي عام 1944)، الذي كانت زوجته وابنتاه لجأن إلى دمشق وأصبحت حفيدته تحمل الجنسية السورية. ولكن السلطات تراجعت عن رفضها بعد انتشار الخبر في وسائل الإعلام وسمحت لها بدخول ألبانيا.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات