تعريف الفقهاء والباحث للإرهاب وإشكالية تعريفه

فالإرهاب في نظرنا هو: (إرتكاب عمل غير مشروع، أو التهديد بإرتكاب عمل غير مشروع، كسلب الآخرين كل حقوقهم أو جزء منها، سواء كانت مادية أو معنوية، عنوة وجبرًا، وبدون وجه حق، بغرض بث الرعب بين الناس

أولاً: تعريف الفقهاء للإرهاب:

هنالك تعاريف مختلفة للإرهاب من قبل الباحثين المختصين ومنها:

تعريف الباحث الألماني Peter Waldman الذي يعرف الإرهاب بالشكل التالي:

الإرهاب ضربات عنف، أعدت بصورة مخططة ومفزعة، موجهة خفية أو من وراء الستار ضد نظام سياسي ما لنشر الخوف وعدم الإستقرار، وكذلك لكسب التأييد والمساندة( ).

إن تعريف فالدمان هذا يهمل جانبا مهما، وهو كون الإرهاب كذلك أسلوب لممارسة الضغط من قبل المنظمات الإرهابية على النظام القائم من أجل تحقيق أهداف معينة، فهدف جيش التحرير الإيرلندي IRA مثلا هو فصل إيرلندا الشمالية من بريطانيا وربطها بإيرلندا ، كما أن منظمة ETA الإرهابية في إسبانيا رفعت شعار حق تقرير المصير للباسك وتشكيل دولة مستقلة تضم إقليم الباسك الإسبانية والباسك الفرنسية، كما أنها تدعي بكونها تمثل القومية الناطقة باللغة الأوسكادية.

أماBruce Hofmann ، المختص الأمريكي في شؤون الإرهاب، فإنه يشير وقت تعريفه للإرهاب إلى كون هدفه إحداث التغييرات السياسية: الإرهاب هو خلق الخوف والرعب وبوعي من خلال إستعمال القوة أو التهديد بإستعمالها بهدف إحداث التغييرات السياسية( ).

والمؤرخ الألماني Walter Laqueur يعرف الإرهاب بكونه: إستعمال القوة أو التهديد بإستعمالها لنشر

الخوف والفزع في مجتمع ما من أجل إضعاف الحكام أو إسقاطهم وإحداث تغيير سياسي( ).

إن التعاريف الثلاث أعلاه تستثني إرهاب الدولة، أي أنها تركز على الإرهاب الموجه من تحت. والتعريف الأكثر قرابة من الواقع هو تعريفKai Hirschmann ، أحد المختصين الألمان، فيعرفه كالآتي: إن الإرهاب هو سلاح وأسلوب يستخدمان من قبل الدول ومن قبل جهات لاتمثل الدولة لأسباب ومقاصد سياسية( ).

ويعرف ويلكنسون (Wilkinson) الإرهاب بأنه حصيلة عنف متطرف يرتكب بغرض تحقيق أهداف سياسية محددة، تتطلب تضحية بكل المعتقدات الإنسانية والأخلاقية. وصنف ويلكنسون الأعمال الإرهابية كالتالي( ):

1. الإرهاب الحربي، كالجوء إلى وسائل مختلفة لإشاعة الرعب بين المواطنين من خلال إستخدام الأسلحة مثل المتفجرات والقنابل.

2.الإرهاب القمعي، مثل التدابير القمعية.

3. الإرهاب الثوري، الذي يهدف إلى إقصاء النظام السياسي في الدولة، والإستيلاء على السلطة.

4. الإرهاب شبه الثوري، وهو يرتكب بدون دوافع سياسية أو أيديولوجية، ولا يهدف إلى الإستيلاء على السلطة.

أما من وجهة نظر جروس Gross)) يجب التفريق بين حالات مختلفة يستخدم فيها العنف، وهي( ):

1. كفاح وعنف موجه ضد الحكم الفردي المتسلط داخل الدولة.

2. عنف موجه ضد مؤسسات ديمقراطية، مثل ما أقدمت عليه أحزاب نازية وفاشية.

3. عنف موجه ضد المحتلين الذين يسعون إلى إفناء الدولة أو إستبعاد شعبها.

ويقسم جروس العنف إلى:

1. عنف تكتيكي، يراد من ورائه إكتساب فائدة مؤقتة (كالعقاب، توقيع الجزاء، إقصاء الحكومة).

2. عنف عشوائي، دون تحقيق هدف أو غاية محددة.

3. عنف عشوائي مركز، أي عشوائي في طبيعته ولكنه موجه إلى هدف محدد.

4. عنف في إطار واسع وشامل.

5. إغتيالات سياسية تطال الطبقة الحاكمة.

ويعرف الدكتور أدونيس العكرة الإرهاب على أنه مهد نزاع عنيف يرمي الفاعل بمقتضاه، وبواسطة الرهبة الناجمة عن العنف، إلى تغليب رأيه السياسي أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على علاقات إجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها( ).

من خلال التعريفات أعلاه يظهر لنا بعض خصائص الإرهاب وهي:

1. كون العمل الإرهابي عمل مخطط ومنظم بهدف خلق أقصى حالات الإنفعال كالخوف والقلق وعدم الأمان.

2. أن العمل الإرهابي يخرق القيم الإجتماعية، ويعتبر عملا فظيعا وشنيعا.

ثانيًا: تعريف الباحث للإرهاب:

بعد الإطلاع على تعاريف الإرهاب والصعوبات التي تعترض وضع تعريف محدد واضح للإرهاب الدولي، فإننا سنحاول فيما يلي تقديم تعريف، نبرز فيه ملامح الجريمة الإرهابية.

فالإرهاب في نظرنا هو: (إرتكاب عمل غير مشروع، أو التهديد بإرتكاب عمل غير مشروع، كسلب الآخرين كل حقوقهم أو جزء منها، سواء كانت مادية أو معنوية، عنوة وجبرًا، وبدون وجه حق، بغرض بث الرعب بين الناس، وتعريض حياة الأبرياء للخطر، وذلك من أجل تحقيق مصالح غير مشروعة، كالطمع في إستغلال أو إحتلال أو الإستيلاء على خيرات وثروات فرد أو جماعة أو دولة، أو معاقبة أو تهديد الدول وخاصة الضعيفة بالقوة العسكرية أو بالعقوبات الإقتصادية، أو إستغلال موارد هذه الدول بصورة إحتلال أو إستعمار مهما كانت الدوافع والحجج. ولا يفرق بين القائمون على الأعمال الإرهابية، سواء أقامت به دولة أو مجموعة أم فرد. ويعد الإرهاب إنتهاكًا للقواعد الأساسية للسلوك الإنساني، ومنافٍ للشرائع السماوية والدولية ويعتبر تجاوزًا على حقوق الإنسان، وهو بذلك يختلف كليًا عن حالات اللجوء للقوة المسلحة في إيطار المقاومة المشروعة، وهي التي في أساسها ترغب في التخلص من إرهاب وظلم وويلات االإستعمار).

ثالثًا: إشكالية تعريف الإرهاب:

لم تتفق الدول على وضع تعريف محدد للفعل الإرهابي، فكل دولة أو منظمة إقليمة أعطت تعريف بما يتناسب مع وضعها ومصالحها، ومصالح القائمون على الحكم فيها، ولم يؤدي أي تعريف قبولاً من الجميع. وتقف أنظمة ديكتاتورية عائقاً في التوصل إلى تعريفات دقيقة للإرهاب بسبب ما يمكن تأويله، من أن الإرهاب إنما هو نتاج للموقف السياسي في البلاد، وبسبب حرمان من الحقوق السياسية يتبلور موقف يؤدي في مفرداته إلى نشوء حالة الإرهاب في العمل السياسي.

ولكننا نلاحظ أن الإرهاب السياسي لا ينتشر في البلدان النامية أو بلدان الأنظمة الديكتاتورية فحسب، بل وفي أنظمة رأسمالية ديمقراطية أيضاً ومنها الولايات المتحدة نفسها حيث تقر حكومتها بوجود المئات من المنظمات التي تمثل بؤرة صالحة لنمو الإرهاب، ولننظر في وضع إيطاليا على سبيل المثال:" تشير دراسة إيطالية حديثة أن ما لا يقل عن١٤٥٦٩ عملاً إرهابيا وقع في إيطاليا بين العام ١٩٦٩م والعام١٩٨٦م نتج عنها مقتل ٤١٥ شخصاً، وبلغت هذه العمليات ذروتها في عام ١٩٧٩م الذي شهد ٢٦١٣ حادثة إرهابية"( ).

ليس وإذ تعارض الولايات المتحدة والعديد من دول العالم الغربي وضع تحديدات لمصطلح الإرهاب، تحسباً من عدم قيام فقه في مجال ومصطلح الإرهاب، وحيث تشير الإحصائيات إلى أن الحركات التي تصنف إرهابية في بلدان العالم الغربي هي أكثر من تلك الموجودة في البلدان النامية، كما أن العديد من الحركات في بلدان العالم الثالث ليست بالضرورة نابعة من حركات دينية أصولية، كما تود الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى الرئيسية في عالم ما بعد لقاء مالطا (بين آخر زعيم سوفيتي والرئيس الأمريكي بوش)١٩٩١م، ونشوء ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أو العولمة Globalization أن تطبع حركة الإرهاب في العالم بطابع التيارات الدينية الأصولية، مع ما ينطوي عليه هذا الأمر من تناقض شديد ذلك أن الكثير من الحركات في العالم ليست دينية وأشهر تلك مثلاً: حركة نمور التاميل في سريلانكا، والثوار الماويين في النيبال، وحركة الدرب المضئ في كولومبيا والساندنية في نيكاراغوا ومنظمة الكونترا المناهضة لها، وفي أوربا حركة تحرير الباسك في إسبانيا، وحركة تحرير كورسيكا في فرنسا وحركة إستقلال بورزو إيطاليا (إنفصال شمال إيطاليا).

وبتقديرنا أن رغبة الولايات المتحدة وبعض بلدان العالم الغربي، في عدم قيام فقه قانوني دولي في مجال الإرهاب يعود للأسباب التالية:

١. إبقاء قوانينها وقضائها طليق اليدين فيما يخص التعامل مع الإرهاب داخل البلاد.

٢. الإبقاء على حرية التصرف داخل مجلس الأمن حيال القضايا المطروحة عليه.

٣. حرف الأنظار عن الموضوعات ذات الطابع الإجتماعي حيث معظم الحركات المصنفة إرهابيًا هي منظمات إجتماعية الطابع تعارض التوزيع الغير عادل للثروات الوطنية، أو تشعر بالظلم والإنسحاق

الطبقي

٤. صرف أفكار المجتمع الدولي عن التعامل المخالف للقوانين والقرارات الدولية الصادرة بحق الشعوب، وتغليب الطابع الديني المتزمت المرفوض دولياً على الطابع الوطني التحرري، أقلها إدارة الأزمة وفق ما تراه مناسباً لمصالحها السياسية.

لهذه الأسباب الرئيسية، لم تبادر بل تعرقلت كل محاولة لوضع تعريف دولي محدد لمفهوم الجريمة الإرهابية وذلك بالتأكيد تماشيًا مع مصالح القوى العظمى، ورغباتها في فرض سياستها على العالم أجمع. وهناك عدة عوامل أخفقت في الوصول لوضع تعريف للإرهاب الدولي ومن هذه العوامل التالي:

١. عدم وجود إجماع بين الفقهاء والباحثين والمختصين لوضع تعريف محدد وذلك لتباين الثقافات والأهداف، بعضهم يرى مصطلح الإرهاب والإرهابي يعاني من الغموض وهو بحاجة للوضوح وأن هذه الظاهرة وصفها أسهل من تعريفها( ).

٢. الإختلاف بين وجهات نظر الدول في تحديد تعريف الإرهاب فما يرى البعض أنه إرهابًا ينظر إليه الآخر على أنه عمل مشروع، وقد ظهر ذلك جليًا ( خلال المناقشات التي دارت في اللجان التي شكلتها الأمم المتحدة لمناقشة الإرهاب الدولي، فالولايات المتحدة الأمريكية، تساندها في ذلك الكتلة الغربية تحاول تعريف الإرهاب الدولي على نحو يشمل الكفاح المسلح لحركات التحرير الوطني ضمن ممارستها لحق تقرير المصير. بينما ترى دول الكتلة الشرقية بزعامة الإتحاد السوفياتي أنذاك، أن الإرهاب الحقيقي هو إرهاب الدولة، أي ذلك النوع من الإرهاب الذي تمارسه دولة ضد أخرى( ).

وهذا الإختلاف يرجع إلى مصالح تلك الدول، فالولايات المتحدة الأمريكية في التعريف الذي قدمه وفدها

في الدورة الثامنة والعشرين، التي عقدتها الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة قصرت الإرهاب على مجموعة أعمال فردية، ومعزولة تتعلق بالقانون العام وتنطبق عليها مبادئ القانون الجنائي دون غيره وقد إستثنى هذا التعريف من منظوره إرهاب الدولة، الذي هو مستوف بصورة كاملة للشروط الأساسية للإرهاب( )، وتبعًا لذلك تحاول كل دولة جاهدة لفرض تعريفها على المجتمع الدولي، وعدم التوافق أدى إلى خلق الصعوبات في وجه هيئة الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة لوضع تعريف محدد يساعد مستقبلاً لإيجاد الوسائل الملائمة لمكافحة الإرهاب.

٣. إنعدام الموضوعية والإنحياز في العلاقات السياسية لدولة على حساب دولة أخرى، لحد وصل إتهام حركات التحريرالوطنية بالإرهاب، رغم وحشية وقساوة الإستعمار والإحتلال. وإنقسمت أراء الدول حسب مصالحها، فمنها ما يؤيد، ومنها لا يؤيد شرعية مقاومة الإحتلال أو الإستعمار. فالمشكلة التي تعوق التوافق على تعريف محدد للإرهاب هي التي تتعلق بحركات المقاومة التي تقوم بها الشعوب المحتلة ضد القوى الأجنبية التي تستعمرها، وفي مقدمتها إسرائيل التي فتحت شهيتها لتطالب بإدانة المنظمات الفلسطينية المقاومة بحجة أنها منظمات إرهابية

٤. تداخل مفهوم الإرهاب مع غيره من المفاهيم الأخرى من ذلك تداخله مع صور العنف السياسي بحيث أصبح الفاصل غير واضح بينه وبين بعض صور الجرائم السياسية والجريمة المنظمة وديكتاتورية الدولة، بل تجاوز الحد إلى إختلاط مفهوم الإرهاب مع بعض صور الحرب أو حتى الجرائم العادية أو مع بعض أشكال العنف الأخرى مثل حركات التمرد والعصيان والإنقلابات( ).

٥. تعدد الأسباب والبواعث التي يتمخض عنها الإرهاب، فهناك عمليات إرهابية موجهة ضد أنظمة سياسية ديكتاتورية، وهناك أخرى موجهة ضد جنود الإحتلال، وهناك أيضًا أعمال إرهابية موجهة ضد المدنيين وذلك بإستخدامهم كورقة ضغط على بعض الحكومات والدول من أجل الحصول على مكتسبات سياسية أو لتحقيق أهداف معينة.

٦. تفاوت الظاهرة الإرهابية في أساليبها وقوتها من مرحلة لأخرى، ويشهد العالم اليوم تحشيد الولايات المتحدة لقوى دولية لمكافحة الإرهاب ناجم عن سياسة كونية شاملة قبل أي شيء آخر، يترجم قوة الولايات المتحدة كقطب وحيد على مسرح السياسة الدولية، ونجم عن هذا التصور قيام استراتيجيات وتحالفات فيما سمي بالإرهاب الدولي وهو أمر زاد من صعوبة التوصل إلى تعريفات محددة ملزمة للإرهاب.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات