العقوبات... إرهاب اقتصادي بحقّ الشعوب

تتفتق الرؤية الأمريكية والأوروبية كل يوم عن سياق جديد... ما بات بالياً تعيد إحياءه، وما غاب عن الذهن تستحضره... وما عجزت عنه بالسياسة تعوضه بالعقوبات وما فشلت به العقوبات تستهدفه بالعدوان. حالة من الإلحاح السياسي غير المسبوق واستنفار لأدوات الضغط دفعت بالعقل السياسي الأمريكي والأوروبي الى الغوص في مستنقعات تقود جميعها الى تورط جديد، تصفع من خلاله مبادئها وشعاراتها التي صدرتها للبشرية... تلوكها ألسنة سياسييها، وتقذف بها في وجهنا كي تعاقب الدول التي لا تأتمر بأمرها، بما حاربت تحت شعاره.‏

ولم تكتفِ أمريكا وأوروبا بالتعرجات والالتواءات التي تنطوي عليها عقوباتها ضد الدول التي لا تسير في ركبها، ولا بالمخالفات والمغالطات التي تتضمنها، بل ذهبت بعيداً في التشفي والانتقام، ووصلت بها إلى درجة ممارسة العدوان بشكله البشع في استهداف الشعوب الآمنة والمطمئنة والمؤسسات.‏ فالمسألة ليست مرتبطة فقط بمعايير انزلقت إلى قاع خطير في مختلف معطياتها، وإنما في السابقة الخطيرة التي تنطوي عليها، وهي تدفع إلى الواجهة جملة من الشواهد الجديدة على سياسة انتقائية متخمة بتورماتها.‏

إن الانجراف الأمريكي والأوروبي في أخطاء سياسية وبناء مواقف على معطيات خاطئة وصولاً إلى التطاول على الحريات والضغط والابتزاز، يمثّل اليوم تهديداً واضحاً لأسس العلاقة بين الدول والشعوب.‏ وإذا كان من غير المفهوم أن تذهب أمريكا وأوروبا في غيِّها إلى هذا الحد سياسياً وإعلامياً فإن عدوانها سواء بالعقوبات الاقتصادية أم الإعلامية يشكل في حقيقته حرباً معلنة لها ذرائعها ـ القريبة والبعيدة ـ لها معطياتها ودوافعها وأهدافها... حقائق لم يكن العقل ليعتقد أنها بعدما اندثرت تعود إلى السطح من جديد بلبوس أخطر، وباستهداف أكثر انتقاماً.‏

بين الحرب وإعلانها ثمّة مساحة للتعقل... لكن العقل الأمريكي والأوروبي المهووس بأطماعه يفوّت الفرصة ويجعل من هذه المساحة مجرد أوهام في عالم لا يعترف بها...‏ فلا الحرية مقياساً... ولا حلم الديمقراطية معياراً... إنه الحنين إلى الماضي والرغبة في العودة الى أضواء المشهد الدولي.‏

تعتبر الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الوحيدة في العالم، الأكثر استخداماً لسلاح العقوبات التجارية والاقتصادية لتحقيق مصالحها وإجبار الدول المستهدفة بالعقوبات على انتهاج سلوك يتوافق مع أهداف الهيمنة الأميركية على الدول والشعوب، وتستغل واشنطن أيضاً الأمم المتحدة لفرض عقوبات دولية أيضاً، كما تقوم بحشد تأييد الدول الغربية الاستعمارية لفرض العقوبات، في حال فشلت في تحقيق إجماع دولي على فرض هذه العقوبات. بالمقابل نجد أن الكيان الإسرائيلي الذي يمارس العدوان والاحتلال ويخرق المواثيق والأعراف الدولية ويرفض تطبيق قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومعاهدات جنيف، نجده لم يتعرض قط لمثل هذه العقوبات!

وواضح للعيان أن أميركا تستخدم سلاح العقوبات ومنذ زمن بعيد. وقد تبين وبلا أدنى شك أن العقوبات الأميركية بأنواعها كافة ليس هدفها الضغط السياسي، فأهدافها بعيدة المدى، وهي تسعى للتدمير المبرمج لكل أسباب الحياة.‏‏ ويشير الخبراء إلى أن العقوبات الاقتصادية هي المعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل، بل إن نتائجها تعادل الحروب وقد تزيد عنها، كما هو الحال في العراق حيث تسببت في وفاة أكثر من مليون ونصف مليون طفل عراقي.‏‏

وتهدف العقوبات الأميركية سواء تلك التي فرضتها واشنطن منفردة أم بالاشتراك مع الدول الغربية الاستعمارية أو التي فرضت برغبة أميركية من خلال مجلس الأمن، تهدف إلى منع أي دولة في العالم وبجميع الوسائل بما فيها القوة الغاشمة من امتلاك القوة اللازمة لحماية نفسها من العدوان وكذلك تهدف إلى حماية الكيان الإسرائيلي وإبقائه متفوقاً لكي يواصل احتلاله وعدوانه، كما ترمي إلى استنزاف ونهب الخيرات الاقتصادية للدول المعاقبة، وإبقاء الدول الحليفة لواشنطن تحت سيطرتها وجرها باستمرار لتأييد المواقف الأميركية، وأخيراً تهدف إلى السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة الأخرى واستخدامه كوسيلة ابتزاز ضد الدول المنافسة لها.‏‏

ويمكن تلخيص السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية ضد دول العالم بكلمتين فقط هما الغطرسة والاستبداد اللذان يعتبران نتاجاً طبيعياً لتفرد القوة الأميركية على مستوى العالم والتي كان أحد أهدافها الرئيسة وما يزال إخضاع كل من يخرج عن هذا النسق الأحادي الذي بدأ يظهر ويتمايز وينمو إلى حدود التضخم بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل مطرد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.‏‏

ومن هذا المنطلق كانت العقوبات الأميركية ذلك السلاح الصامت الذي يقتل ببطء كل من يخرج عن بيت الطاعة الأميركي لارضاخه، وتمتطي للوصول إلى مبتغاها شعارات حقوق الانسان والحرية والديمقراطية للشعوب التي تمعن في ذبحها مرات ومرات على أعتاب تلك الشعارات والعناوين البراقة والرنانة على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الذي تختطفه تلك القوى المتسلطة والمستبدة التي تحاول إعادة استعمار العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً والذي تحول إلى أداة رخيصة وطيعة في يد تلك القوى من أجل تمرير كل مشاريعها ومخططاتها الاستعمارية التي تستهدف السيطرة على شعوب العالم وسلب إرادتها ونهب ثرواتها وخيراتها.

ويؤكد معظم الباحثين في تاريخ استخدام العقوبات التي تستخدمها دولة ضد دولة أن سلاح العقوبات الاقتصادية بين الدول يعود إلى عصور ما قبل الميلاد وقد استخدمته الإمبراطوريات العظمى ضد بعضها البعض وضد الدويلات والكيانات والمستعمرات الصغيرة الخاضعة لها من أجل إخضاعها بشكل دائم وكبح جماح أي محاولات للتمرد أو أي نزعة للاستقلال أو للانفصال عنها، وتلك سياسة برعت الولايات المتحدة في إعادة إنتاجها على الوجه الأمثل الذي يناسب أحلامها وطموحاتها الاستعمارية لتصبح تلك السياسة ومنذ الحرب العالمية الثانية سلاح الولايات المتحدة المشهر في وجه كل من يعارضها أو يخالفها الرأي أو يهدد مصالحها ويقف حجر عثرة في وجه مشاريعها الاستعمارية كخيار بديل عن الحرب أحياناً أو ممهد لها أحياناً أخرى عبر إضعاف الخصم وإنهاكه إلى الحد الذي أصبحت معه الولايات المتحدة أكثر الدول استخداماً في العالم لسلاح العقوبات بكل ألوانه الاقتصادية والتجارية والعسكرية وأكثرها مبادرة لفرضه سواء من جانب واحد أو عبر التحشيد الدولي لإقراره من خلال المنظمات الدولية ولاسيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن.‏‏

وأكد مختصون أن العقوبات التجارية تستخدم من أجل هدف ضمني هو إسقاط نظام أي دولة لتحقيق الديمقراطية المزعومة، وهو مصطلح استخدم كثيراً هذه الأيام.‏‏ ويفترض مؤيدو هذه السياسة بوجود علاقة إيجابية بين العقوبات الاقتصادية والتحول الديمقراطي المزعوم، ويتجاهلون الأدلة التجريبية. فمجموع العقوبات المالية والتجارية ليس لديها ذلك السجل الجيد في تغيير سياسات البلدان المستهدفة، أو دفعها نحو ''الديمقراطية'' المزعومة.‏‏

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تعتبر العقوبات الاقتصادية الغربية سلاحاً مجدياً في عالمنا المعاصر حسب ما يحلم به الحكام في الغرب...؟ ‏

الواقع يشير إلى أن التحولات وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية والمستمرة أنهكت الاقتصادات الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبا العجوز، والقراءة التاريخية تبين أنه في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت الهيمنة للمؤسسات التي يسيطر عليها الأمريكيون من خلال مجموعة الدول السبع الصناعية الأكثر ثراء يومها... وبعد ظهور الأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة خريف 2008 وانتشارها إلى دول العالم الأخرى، شعرت واشنطن بعدم قدرتها على قيادة الاقتصاد العالمي لوحدها وعجزها عن مواجهة هذه الأزمة الكونية... فلجأت إلى مجموعة دول العشرين التي تضم أسواقاً ناشئة كالصين، ودول بريكس الأخرى.‏

وأثبتت الوقائع عدم تمكن مجموعة العشرين معالجة الأزمة الاقتصادية العالمية بسبب التناقضات الرئيسية بين أعضائها وبقيت نتائج أعمالها بمثابة تفاهمات مهذبة على الاختلاف، وتشكلت معادلات دولية أخرى... وكان ذلك بداية لانطلاق قطب عالمي جديد ممثلاً بالصين وروسيا ودول بريكس، كمنافس قوي على الساحة الدولية وبالتالي ظهرت ثنائية قطبية عالمية... وأصبح الاتفاق الدولي على فرض العقوبات أو الحصار أمراً صعباً... إن لم يكن مستحيلاً لأن القطب الثاني (روسيا والصين...) تشكل عقبة رئيسية أمام رغبات القطب الغربي الرأسمالي... في المحافل الدولية، وبخاصة مجلس الأمن الدولي.‏

لكن بالمقابل فإن تأثيرات الحصار ووقعه على الدول يختلف حسب مدى اعتماد الدولة المحاصرة على العالم الخارجي (المساعدات، المنح، والقروض الخارجية...) ولا شك أن تأثير العقوبات أو الحصار يضعف عندما تكون الدولة التي يفرض عليها الحصار تعتمد في استراتيجياتها على مواردها وإمكاناتها الذاتية، وبخاصة بالنسبة لموضوع المواد الغذائية، والصناعات الأساسية من ناحية أخرى فإن تداعيات الحصار أو العقوبات الاقتصادية لم تعد تقتصر على الدول المحاصرة، وإنما أخذت تؤثر سلباً على الدول التي تفرض هذا الحصار لأنه ومع بدايات العقد الثاني من الألفية الثالثة أصبح من الممكن شراء السلع من مصادر عديدة في العالم نظراً لتعدد التوجهات السياسية والاقتصادية في عالمنا المعاصر.

بالمقابل أصبح من الممكن تصدير السلع المحلية، وبخاصة ذات الطابع الاستراتيجي منها كالغاز والنفط إلى جهات عديدة في ضوء الظروف الدولية التي خلقت ما يسمى عالم البدائل على صعيد العملات، لم يعد الدولار الأمريكي العملة الوحيدة التي يتم من خلالها إجراء العمليات التجارية، لأن عملة (العم سام) بات من الممكن استبدالها، وبعض الدول المحاصرة اقتصادياً تبيع النفط اليوم مقابل عملات أخرى خاصة لدول بريكس، مثلاً الهند، التي حققت نجاحات باهرة في عدد من الصناعات الحيوية (برمجيات الاتصالات، والانترنت...) تشتري النفط والغاز من الدول المحاصرة بالعملة الوطنية الهندية (الروبية).

تساؤل هام: هل للعقوبات الاقتصادية أو الحصار فوائد في الدول المحاصرة؟

تشير الدراسات والوقائع إلى أن الحصار الذي يفرضه الغرب الظالم له بعض الآثار الايجابية على الدول المحاصرة لأن الحصار والعقوبات الاقتصادية تدفع باتجاه تشجيع الاستثمار التلقائي الذاتي الوطني، بحيث يمكن للدول المحاصرة (بفتح الراء) أن تجذب الاستثمارات الصديقة والوطنية المحلية، والاعتماد أكثر على المنتجات الوطنية بديلاً للمستوردات من الخارج ومن المؤسف أن أموال النفط العربي تذهب باتجاه معاكس... بمعنى آخر يمكن للحكومات التي يفرض عليها الحصار أن تعتمد على تحفيز المشاعر الوطنية والاعتماد على رؤوس الأموال الوطنية.‏

وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الاقتصادي ''ستيف هاتكه'' المدرس في جامعة (جونز هوبكز) بأن العقوبات الاقتصادية قد تأتي بنتائج عكسية للهدف الذي اعتمدت لتحقيقه، ويؤكدّ بأن هذه (العقوبات تاريخياً تأتي بنتائج عكسية تماماً، بمعنى أنه إذا فرضت عقوبات على عدوك فإنها تميل إلى تعزيز قدراته الذاتية)، ويدلل على ذلك بالتجربة الإيرانية، حيث يؤكد بأن العقوبات الاقتصادية التي فرضت على إيران زادتها قوة.

وفي نفس السياق، قال السفير الإيراني في برلين ''علي رضا شيخ عطار'' أن العقوبات الغربية التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران فشلت في تحقيق أهدافها وقادت إيران إلى اعتماد الاكتفاء الذاتي في قطاعي النفط والغاز.‏‏

ونقل عن ''شيخ عطار'' قوله: أن العقوبات المفروضة على إيران لم تفشل فقط بوقف التقدم التقني في إيران وفي أهدافها في مجالي إنتاج النفط والغاز بل إنها أدت إلى الاكتفاء الذاتي للبلاد في هذه القطاعات بطريقة تبشر بمستقبل مشرق جداً لتطور ونمو هذه الصناعات في إيران.‏‏

وأعرب عن استعداد إيران لتزويد أوروبا بأشكال الطاقة التي تحتاجها مشيراً إلى أن بلاده تعتبر شريكاً لا بد منه بالنسبة لجميع البلدان التي تحتاج إلى طاقة آمنة ومستدامة.‏‏

ولفت إلى أن إيران هي البلد الوحيد الذي يربط بين المراكز الرئيسية للطاقة في العالم وهي منطقة الخليج وبحر قزوين.‏‏

وتملك إيران ثالث أكبر احتياطيات نفطية في العالم وثاني أكبر احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي، حيث قدرت إجمالي الاحتياطيات النفطية في البلاد بأكثر من 560 مليار برميل مع نحو 140 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج.‏‏

وكانت إيران قد رفضت وبشكل قاطع التهم الموجهة لها من قبل واشنطن والاتحاد الأوربي قائلة إنها كدولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وعضو ملتزم في الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحق لها تطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.‏‏

وآخر الآراء التي عبرّ عنها ''ستيف هانكه'' هي تحليله للعقوبات الاقتصادية الأمريكية على جمهورية (كوبا) ويؤكدّ بأنها فشلت ولم تؤد إلى النتائج المقصودة منها ويقول (هذا هو السبب الذي أدى بنا إلى أن نرى كاسترو والشيوعيين يستمرون في قيادة كوبا).

وبعد هذا الفشل الكبير للعقوبات الاقتصادية يعود هذا الباحث ليؤكد بقوله (أن حشر عدد كبير من السكان في فقر متواصل ليس في مصلحة أحد، إلا المتطرفين الأكثر تشدداً في المنطقة، لأن من يعش تحت العقوبات فسوف يرى أولئك الذين يفرضونها على أنهم الأعداء الأشرار).

لهذا فالأمم المتحدة مدعوة بكل أجهزتها وبرامجها المختصة لإيلاء قدر أكبر من الالتزام الجدي لمسألة إبراز الأثر السلبي لتلك التدابير الاقتصادية الانفرادية القسرية على معيشة الشعوب المحاصرة، وجهود حكوماتها في تحقيق الأهداف التنموية وذلك في تقاريرهم وتوصياتهم وأنشطتهم التنفيذية.

ختاماً، إن ما يجري ليس غيرة على الشعوب، ولا على مصالحها وحريتها، بل هو برنامج لتفكيك الشعوب، ولتصادم الشعب مع نفسه ليسهل للدول صاحبة المصالح تحقيق مصالحها من جهة، ولخدمة النظام العالمي الجديد الذي تعمل له الولايات المتحدة الأميركية والمنظمة الصهيونية العالمية المتوافقة معها، ولتكون الولايات المتحدة بذلك قادرة على التحكم في مقدرات العالم ومبادئه وفق نظامها وقيمها وأخلاقها، فهي وفق نظرتها تسعى إلى تكسير كل الحدود التي تعوق حركتها الهادفة إلى التحكم في موارد العالم، وإلى القضاء على كل شعور أو إحساس وطني أو قومي عند الشعوب، الذي يقود إلى نزعة فردية تدمر روابط المجتمع، وتقود إلى الخضوع دون إرادته إلى النظام الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة التي لا تقبل في المشاركة أو التشارك مع أحد مع من يبدو حليفاً لها.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات