الإرهاب الدولي في محاولات تعريفه (2)

ثالثًا: محاولات الأمم المتحدة للتعريف

بدأت مسيرة مكافحة الإرهاب الدولي تشق طريقها دوليًا مع أول مشروع لاتفاقية دولية تبنَّته عصبة الأمم العام 1937. وقد عرّف المشروع الإرهاب الدولي على أنه الأعمال الجرمية الموجَّهة ضد دولة، والمقصود بها خلق حالة من الرعب في عقول بعض الاشخاص أو مجموعة من الأشخاص أو الجمهور العام.

وكان لهذا التعريف المبكر للإرهاب أثر بارز في انطلاق هذه المسالة مع الأمم المتحدة، لأن العصبة ووجِهت بمقدِّمات الحرب العالمية الثانية في العام التالي، وبتداعياتها الخطيرة التي حالت دون تفعيل هذا المشروع(22) .

أ – فعلى صعيد الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت مساعي إدانة الإرهاب الدولي منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي سواء من خلال قرار الجمعية العامة ذاتها أو من خلال تقارير اللجنة الدولية لحقوق الإنسان. وكانت هذه القرارات والتقارير تؤكد على أن الإرهاب الدولي يهدِّد: السلام والأمن الدوليين، وعلاقات الصداقة بين الدول، واتلتعاون الدولي، وأمن الدول، ومبادئ الأمم المتحدة وأهدافها.

وقد حرصت الجمعية العامة ولا سيما في قراراتها الأولى التي صدرت العامين 1960 (القرار الرقم 1514 حول منح الشعوب المستعمَرة استقلالها) و1970 (علاقات الصداقة بين الدول وفقًا لأحكام القانون الدولي 2625) على التركيز على شجب كل أعمال الإرهاب من جهة وتشريع النضال من أجل تقرير المصير من جهة مقابلة.

ثم تضاعفت جهود الجمعية العامة في هذا الإتجاه حتى استطاعت العام 1994 إصدار إعلان عالمي من أجل إزالة الإرهاب الدولي. وقد كان لهذا الإعلان أثر بارز في إصدار قرارات إلزامية لاحقة عن مجلس الأمن الدولي تتبنَّى، إلى حدٍّ كبير، التعريف الذي أشار إليه هذا الإعلان وهو: أعمال جرمية يُقصد منها حالة من ترويع الرأي العام، وإرهاب مجموعة من الأشخاص لتحقيق أغراض سياسية وهي في كل الظروف غير مبرَّرة بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية والفلسفية والعقائدية والإثنية والدينية التي دُفعت إليها(23).

ب – أما على صعيد مجلس الأمن الدولي فلعلَّ القرار الأول الذي أصدره حول الإرهاب كان القرار 635/1988 في حظر المتفجرات البلاستيكية. ثم طوَّر المجلس، بعد ذلك، رؤيته إلى أخطار الإرهاب المتزايدة في سنوات لاحقة(24) .

ولعل التحرك الفعلي لمجلس الأمن بصدد مكافحة الإرهاب كان على أثر حادث التفجير الرهيب الذي وقع في الولايات المتحدة في 11/9/2001. فقد أصدر المجلس، حينذاك، القرار 1373 في 28/9/2001 الذي اشتمل على كثير من الإجراءات الحاسمة بصدد مكافحة الإرهاب. ومنها:

- أنه استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي كان وما يزال ذاتي الالزام على الدول كافة من دون استثناء، وذلك تحت طائلة العقوبات المناسبة(25).

- أنه استحدث آلية لمراقبة أعمال الإرهاب والسعي إلى قمعها من قبل دول العالم كافة. وتمثَّلت هذه الآلية بلجنة مكافحة الإرهاب. وقد وفَّر أيضًا تسهيلات تقنية أخرى لحظها القرار للغاية ذاتها(26).

- أنه حرص على اعتبار الغرهاب جريمة غير مبرَّرة بصرف النظر عن بواعثها ومظاهرها وأشكالها. ودعا كل الدول إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية والزاجرة كافة في هذا الصدد.

- أنه اعتبر الإرهاب تهديدًا للسلام والأمن الدوليين بقدر ما يشكل جريمة دولية تستهدف المجتمع الدولي بكامله. وهذا التوصيف القانوني ساعد ويساعد مجلس الأمن في معالجة أي موضوع يتعلَّق بالإرهاب على أن يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. والمعروف أن المادة 39 من هذا الميثاق تفرض على المجلس أن يتحرَّك إذا ما حصل أي تهديد للسلام وذلك من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي.

- أنه أسس لما يمكن تسميته النظام العالمي لمكافحة الإرهاب الدولي بقدر ما استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. والواقع أن هذا النظام العالمي يستند إلى القرارات الدولية من جهة، ولا سيما القرار 1373 و1540 و1566، وإلى الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى مكافحة الإرهاب(27) .

- أما القرار الثاني الملزم بصدد مكافحة الإرهاب فهو القرار الرقم 1540 في العام 2004 القاضي بمنع اقتناء المواد المشعَّة أو استخدامها حتى وإن كانت من النفايات النووية أو الذرية أو الإشعاعية.

وحرص هذا القرار على ان يتنبَّه القطاعان العام والخاص في كل دولة إلى هذه الفضلات او النفايات الذرية حتى من المصانع والمستشفيات. وهذه المواد يمكن استخدامها من قبل المجموعات الإرهابية لتصنيع ما يمكن تسميته بـ "القنبلة القذرة" التي يمكن أن تسبِّب أضرارًا اكثر اتساعًا في الممتلكات والأرواح. وهذا القرار استند أيضًا إلى الفصل السابع من الميثاق.

والمعروف هنا أن ثمة نظامًا دوليًا لحظر السلاح النووي وهو النظام المتمثِّل في اتفاقية حظر الأسلحة النووية والمتمثِّل أيضًا في اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية. وقد جاء هذا القرار الملزم ذاتيًا لكي يؤكد على تفاصيل هذا الحظر حتى في حالة الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

- ولعل القرار الثالث الدولي الذي أصدره مجلس الأمن تحت الرقم 1566 في 8/10/2004 يشكِّل مفصلاً رئيسًا أو ركنًا أساسًيًا من النظام العالمي لمكافحة الإرهاب. وبذلك فإن بنود هذا القرار كافة ملزمة لدول العالم قاطبة من دون أن يحق لأي منها أن يتحفَّظ أو تتردَّد أو تتقاعس عن التنفيذ.

- ولعل أهم ما يميِّز هذا القرار أنه أورد تعريفًا للإرهاب الدولي. وهذا التعريف ملزم للمجتمع الدولي بكامله حتى بالنسبة إلى الدول غير الأعضاء في المنظمة الدولية. فقد عرَّف القرار 1566 الإرهاب الدولي على أنه: "كل عمل جرمي ضد المدنيين بقصد التسبُّب بالوفاة أو بالجروح البليغة أو أخذ الرهائن من أجل إثارة الرعب بين الناس أو إكراه حكومة ما أو منظمة دولية للقيام بعمل ما أو للامتناع عنه، وكل الأعمال الأخرى التي تشكِّل إساءات ضمن نطاق المعاهدات الدولية المتعلِّقة بالإرهاب، ووفقًا لتعريفها، ولا يمكن تبريرها بأي اعتبار سياسي أو فلسفي أو أيديولوجي أو عرقي أو ديني" (28).

وبذلك فإن ثمة تأكيدًا على تعريف ملزم للإرهاب الدولي بصرف النظر عن رأي الدول الأخرى به.

رابعًا: الإتفاقيات الدولية

يعتمد النظام العالمي لمكافحة الإرهاب الدولي على ركنين أساسيين: القرارات الدولية الملزمة التي تقدم ذكرها وعلى الإتفاقيات الدولية التي عُقدت بواسطة الأمم المتحدة من جهة أو خارجها من جهة ثانية. ولكن القرارات الدولية المستندة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أسرع تطبيقًا وأشمل إلزامية وأفعل نفاذًا من الإتفاقيات الدولية التي لا تلزم غير الدول التي فحسب.

وإذا كان المجال لا يتسع لتفصيل هذه الإتفاقيات، فإن من الضروري الإشارة إلى معظمها لكي نؤكد على حرص المجتمع الدولي في اتخاذ كل الإجراءات الوقائية المسبقة أو العقابية اللاحقة لمكافحة أعمال الإرهاب الدولي. ومن هذه الإتفاقيات:

- إتفاقية منع التفجير الإرهابي العام 1997، واتفاقية تمويل الإرهاب العام 1999. وقد شجَّعت أحداث 11/9/2001 الدول على الإقبال على إبرام هاتين الإتفاقيتين. وقد بلغ عدد هذه الدول التي أبرمتها، لغاية كانون الأول/ديسمبر 2005، 145 دولة (29).

- إتفاقيات طوكيو 1963 ولاهاي 1970 ومونتريال 1971 و1988 و1991 حول مكافحة الأعمال غير القانونية كافة (ومنها خطف الطائرات) لأنها تشكِّل جريمة دولية من جرائم الإرهاب الدولي سواء في المطارات أو على متن الطائرات المدنية.

- إتفاقية منع أخذ الرهائن 1979.

- إتفاقية إدانة الأعمال الإرهابية التي تستهدف الأشخاص المحميين دوليًا في 1973.

- إتفاقية إدانة الإرهاب النووي 1998 ومشروع اتفاقية جديدة تحمل المضمون ذاته العام 2005.

- إتفاقية شجب الأعمال المخالفة للقانون والتي تستهدف الملاحة البحرية العام 1998.

- إتفاقية منع صناعة المتفجرات البلاستيكية 1991.

وإلى جانب هذه الإتفاقيات الشاجبة مباشرة للإرهاب الدولي، فإن ثمة اتفاقيات أخرى تحظِّر بعض النشاطات التي تدفع أو تسهّل الأعمال الإرهابية مثل تبييض الأموال ومنع اقتناء الأسلحة النووية والأسلحة ذات الدمار الشامل. أما اتفاقية روما التي صدرت العام 1998 وأنشأت المحكمة الجنائية الدولية فلم تُشر إلى جريمة الإرهاب تحديدًا ولكنها ذكرت أن القتل الجماعي المنظَّم والاغتيال يشكلان حالتين من الجرائم ضد الإنسانية. وبذلك تشتركان مع جرائم الإرهاب الدولي أيضًا(30) .

 

الخلاصة

- إن القول الشائع إنه لا يوجد تعريف للإرهاب الدولي ليس دقيقًا في تفاصيله. فالواقع، كما تبيَّن لنا، أن ثمة تعريفات مختلفة للإرهاب الدولي وأن الإتفاقيات الدولية أوردت تعريفًا للإرهاب الدولي مرتبطًا بالحالات التي تصفها كأعمال محظورة ومخالفة للقانون. وهذا الأمر ينطبق على كل الاتفاقيات أو الأعراف الدولية المتعلقة بالإرهاب الدولي بدءًا من القرصنة البحرية وصولاً إلى الإرهاب النووي.

فضلاً عن ذلك فإن القرارات الدولية قامت بتعريف للإرهاب الدولي. وبما أن بعض هذه القرارات استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما القرارات 1373 و1540 و1566 وبالتالي تعتبر ملزمة للدول كافة من دون أي استثناء، فإن بالإمكان، إذن، اعتبار التعريف الذي أورده القرار 1566 تعريفًا دوليًا ملزمًا.

- ومع ذلك فإن هذا القرار وكذلك معظم الاتفاقيات الدولية الأخرى أغفلت أمرين أساسيين متعلِّقين بالإرهاب الدولي: إرهاب الدولة والتمييز بين الإرهاب الدولي والمقاومة الوطنية.

- وإذا كانت المقاومة الوطنية من أجل تقرير المصير أو من أجل رفع الاحتلال مشروعة في القانون الدولي – وهي كذلك – فإن المطلوب الآن إظهار استثنائها من الإرهاب الدولي بصرف النظر عن تعريفه الملزم أو عن تعريفاته الأخرى غير الملزمة.

- وإذا كانت السياسة قد تداخلت مع القانون في مسألة التوصيف والعقاب. فإن تركيز هذا البحث كان يتمحور حول الإطار القانوني وليس السياسي لمسألة وربما لمشكلة الإرهاب الدولي. ولكن هذا التخصيص لا يدفعنا إلى إغفال العامل السياسي في مسألة الإرهاب الدولي. وبسبب هذا العامل السياسي نلاحظ أن ما يوصف في بعض الدوائر الغربية إرهابًا، إنما يكون في الواقع ردَّ فعل على سياسة غربية أيضًا تقمع الشعوب وتستغلها وتبتز أنظمتها السياسية تحت شعارات مختلفة.

 

الهوامش

 

1 - محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، بيروت، 1991، ص 222 - 223

2 - راجع مقالنا حول الإرهاب الدولي في شؤون الأوسط، العدد 105، شتاء 2002، وكتابنا "لبنان والشرعية الدوابة" حول الإرهاب وحق الشعب في المقاومة.

3- J.FOREST, "Countering Terrorism & Insturgency In The 21st century", London, 2007, p 300.

4 - C.BLAKESLEY, "Terrorism & Antiterrorism", U.S.A, 2006, p 17

5 - تفاصيل أخرى في J.MAOGOTO, "Battling Terrorism", USA, 2005, p 59-60

6- C.BLAKESLEY, "Terrorism & Antiterrorism", U.S.A, 2006, p 46

7 - المرجع ذاته، ص 50

8 - "Battling Terrorism" op cit, p 58

9 - المرجع ذاته، ص 58

10 - J.BRADOS, "America Confronts Terrorism" p 47

11 - ibid

12 - محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، ص 221، نقلاً عن تعريف الدكتور عبد العزيز سرحان.

13- ibid, p 227-228

14 - "America Confronts Terrorism", op cit, p 146

15- "Terrorism & Antiterrorism", op cit, p 27-28

16- Ibid, p 28

17 - Ibid, p 189

18 - B.SAUL, "Defining Terrorism In International Law" USA, 2006, p 87-88

19 - ibid, p 91-92

20 - 192 "Terrorism & Antiterrorism", op cit, p

21 - محمد عزيز شكري، "الإرهاب الدولي"، ص 111 - 112

22 - أنظر التفاصيل في: op cit, p 146 "Defining Terrorism In International Law",

23- ibid, p 209

24 H.KRAMER, "The Security Council Response To Terrorism" in the Political Science Quarterly, 122 (3) 2007, pp 409 - 432

25 - ibid, p 414

26 - ibid

27 - ibid, p 422 - 423

28 - أنظر التفاصيل ففي: op cit, p 134 "Defining Terrorism In International Law", ويجدر بالإشارة أن مجلس الأمن الدولي أصدر منذ العام 2001 (11/9) إلى العام 2005 حوالى 20 فرارًا حول الإرهاب الدولي.

29 -op cit, p 182 "Defining Terrorism In International Law",

30 - ibid

حيث يشير إلى الأسباب الكامنة وراء عدم إدخال جريمة الإرهاب الدولي من جملة الجرائم الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومن هذه الأسباب أن نظام المحكمة سبق أحداث 11/9/2001 في أميركا وأنه لم يتوافر تعريف شامل للإرهاب الدولي ومطالبة البعض بالتمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية والحرص على عدم تسييس المحمكة الجنائية الدولية.

النهاية.


ترك تعليقاتك

إدراج تعليق كزائر

0
سيصل رأيک إلی مدير الموقع
  • لا توجد تعليقات